السوق العربية المشتركة | إطارات السيارات بين المطرقة والسندان .. فى مصر؟

تمثل نفايات الإطارات مشكلة عالمية كبرى كما تشكل تهديدا لكل من البيئة والصحة العامة في البلدان التي تفتقر إلى

السوق العربية المشتركة

الثلاثاء 24 مايو 2022 - 10:47
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى

إطارات السيارات بين المطرقة والسندان .. فى مصر؟

تمثل نفايات الإطارات مشكلة عالمية كبرى، كما تشكل تهديدا لكل من البيئة والصحة العامة في البلدان التي تفتقر إلى أنظمة إعادة التدوير الفعالة والجهات التنظيمية التي لديها السلطة لتضييق الخناق على آليات التخلص الضار. يجعل استخدام المطاط الصناعي الإطارات غير قابلة للتحلل البيولوجي، كما أن خليط المواد الكيميائية السامة الذي يضاف إليها لتحسين متانتها يشكل خطرا بيئيا، إذ يتسرب إلى التربة في مواقع دفن النفايات وينتشر في الهواء عند الاحتراق. وتشير التقديرات إلى وصول نفايات الإطارات المستعملة عالميا إلى نحو مليار إطار سنويا، والتي لا تلوث الأرض فحسب، ولكن وفقا لإحدى الدراسات، فهي مسؤولة أيضا عما يصل إلى 30% من جميع المواد البلاستيكية الدقيقة الموجودة في المحيطات.



ويعاد تدوير نسبة ضئيلة جدا من الإطارات الخردة، إذ تشير إحدى الدراسات إلى إعادة استخدام 100 مليون إطار فقط لأغراض أخرى. الغالبية العظمى من الإطارات يجري التخلص منها: قدر أحد الأبحاث أن نحو 75% من الإطارات الخردة يجري إلقاؤها في مكبات النفايات.

ولا يكون إعادة تدوير الإطارات مفيدا للبيئة دائما  فيمكن حرق الإطارات لإنتاج وقود منخفض الجودة واستخدامها في الأسفلت عبر عملية تعرف باسم الانحلال الحراري. ويكون هذا الأمر مفيدا عندما تقوم به الشركات التي تمتلك التكنولوجيا للحد من النفايات والانبعاثات، وفي البلدان ذات اللوائح البيئية القوية. ولكن في البلدان النامية مثل ماليزيا والهند، التي صعدت لتصبح أكبر مستورد في العالم للإطارات الخردة، قد تكون العواقب كارثية على البيئة والمجتمعات المحلية.

ومن جانبها اختارت مصر عدم محاكاة النموذج الهندي في التحول إلى إحدى المدافن العالمية للإطارات الخردة،  وتظهر بيانات جمركية للأمم المتحدة أن مصر استوردت القليل من الإطارات المستعملة أو لم تستوردها في السنوات الأخيرة بعد تصنيفها كنفايات خطرة من جانب الحكومة، مما منع المستوردين من إدخالها إلى البلاد.

ومثل البلدان النامية الأخرى، تفتقر مصر إلى نظام رسمي لجمع الإطارات المستعملة والتخلص منها، وتعتمد على شبكة من تجار الإطارات غير الرسميين، والورش الصغيرة، وعدد قليل من المصانع الخاصة التي تجمعت تاريخيا في قرية ميت الحارون، ولكنها موجودة الآن في جميع أنحاء القاهرة والإسكندرية كذلك. وتفتقر الورش غير المرخصة التي تعمل ضمن هذا النظام غير الرسمي إلى الرقابة التنظيمية لضمان امتثالها للمعايير البيئية، مما يمثل عقبة كبيرة أمام التخلص الآمن من الإطارات، وفق ما قاله نائب مدير إدارة المخلفات الصلبة بوزارة البيئة ياسر محجوب. فقبل بضع سنوات، لفتت قرية ميت الحارون في محافظة الغربية انتباه الصحفيين الدوليين لكونها مركزا لإعادة تدوير الإطارات في منطقة الدلتا، حيث يتلقى العمال الإطارات المستعملة من جميع أنحاء البلاد ويعيدون تدويرها، أو تحويلها إلى عناصر جديدة أو تمزيقها لاستخدامها في عدد من العمليات الصناعية. إنه نظام لإدارة المخلفات، وإن كان "بدائيا" وفقا للمعايير الدولية.

هذا، ولا توجد إحصائيات رسمية حول عدد الإطارات الخردة التي تنتجها مصر سنويا أو كيفية التخلص منها، مما يدفع الباحثين للاستفادة من مجموعات البيانات الأخرى للوقوف على الوضع الراهن. واستخدمت دراسة أجرتها مؤسسة التمويل الدولية في عام 2016 بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء لعدد المركبات المرخصة في مصر لتقدير أن الدولة ستنتج 6.9 مليون إطار خردة، ما يعادل نحو 316 ألف طن، وفي عام 2015. وكان من المتوقع حينها أن يرتفع هذا الرقم بنسبة 10% سنويا لمواكبة ارتفاع ملكية السيارات، مما يضع أحجام النفايات السنوية في مسار تصاعدي إلى نحو 616 ألف طن، أو 13.4 مليون إطار، بحلول عام 2022.

ويؤدي هذا إلى تفاوت التقديرات إلى حد كبيرفقد  قدر تقرير عام 2015 الصادر عن البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة التابع لوزارة البيئة ووكالة التنمية الألمانية، أن الدولة أنتجت 218 ألف طن في عام 2014، وتوقع معدل نمو سنوي يتراوح بين 3- 5%، مما يعني استهلاك ما لا يقل عن 260 ألف طن بنهاية عام 2021 ، إلا أن بعض ممثلي الصناعة يرون أن مخلفاتنا تتجاوز تلك التقديرات بكثير فقد صرح ممثل إحدى الشركات الكبرى في مجال صناعة الإطارات في مصر مشيراً إلى أن إجمالي عدد الإطارات الخردة المنتجة سنويا يقترب من 20 مليون إطار ، كما أشار إلى أنه ليس ثمة اتفاق حول الكمية المعاد تدويرها حيث تزعم بعض التقديرات إعادة تدوير أو استخدام 10% فقط من إجمالي الإطارات الخردة في مصر، بينما تشير تقديرات أخرى إلى أن هذا الرقم أقرب إلى 50%  من إطاراتنا الخردة، منها 28% يتم حرقها كمصدر للوقود، و11% يعاد استخدامها أو تدويرها و 5%  تحرق في الهواء الطلق. ويدعم هذه التقديرات تقرير البرنامج الوطني لإدارة المخلفات الصلبة، والذي يشير إلى مرور نحو نصف الـ 218 ألف طن المنتجة في عام 2014، ببعض العمليات الصناعية، بما في ذلك استخدام نحو 90 ألف طن لإنتاج سلع مطاطية جديدة.

هذا ، ويأتي الجزء الأكبر من الإطارات الخردة في البلاد من ورش تصليح الإطارات والسيارات، والتي تربطها اتفاقيات مع جامعي القمامة الذين يأخذون الإطارات الخردة كل شهر ويبيعونها للأفراد والشركات. وتشير تقديرات مؤسسة التمويل الدولية إلى أن نحو 22% من جميع الإطارات الخردة التي يجري إنتاجها سنويا تأتي من متاجر الإطارات. ويمكن لهؤلاء الوسطاء جمع ما بين 10 إلى 50 ألف إطار كل شهر من متاجر الإطارات، وفقا لبيان أحد الموزعين ، والذي يزود مصنعين بالقرب من مدينة السلام.

كما تعد الحكومة أيضا لاعبا رئيسيابهذه المنظومة حيث تبيع الوزارات كميات كبيرة من الإطارات في المزادات السنوية وعبر البيع المباشر للشركات، بحسب مؤسسة التمويل الدولية ، فيما يجري تجديد جزء من هذه الإطارات وبيعها في السوق بسعر مخفض، أما الإطارات غير القابلة للإصلاح فينتهي بها الأمر في المصانع والورش، حيث تحرق جزئيا للحصول على الأسلاك الفولاذية. يحول المطاط بعد ذلك إلى منتجات جديدة أو يمزق إلى شرائح صغيرة لبيعها بالجملة أو تحويلها إلى منتجات جديدة في الموقع.

وبالوقت نفسه لا يقتصر الأمر على القطاع غير الرسمي فقط، فتقوم بعض الشركات المصنعة مثل مارسو للصناعات والأرضيات المطاطية، بتمزيق الإطارات ودمجها لإنتاج دواسات السيارات، والمشايات المانعة للانزلاق لحمامات السباحة، وملاعب التنس، والمسارات، والعشب الصناعي. وقال صموئيل مفيد، أحد الشركاء في الشركة، إن مارسو تعالج في منشآتها نحو 100 ألف إطار سنويا، كما أن هناك جزء يصدر إلى الخارج... فقد صدرت مصر 2.6 مليون طن من الإطارات الخردة خلال عام 2020، و4.5 مليون طن في العام السابق عليه، بحسب بيانات الأمم المتحدة.

على الجانب الآخر، هناك أيضا طلب من صناعة الأسمنت المحلية فقد  أشار تقرير صادر عن البرنامج الوطني لإدارة المخلفات إلى أنه، في عام 2014، تم استخدام نحو 19 ألف طن من الإطارات الخردة لإنتاج وقود مشتق من الإطارات (TDF)  لشركات الأسمنت، والذي يستخدم كبديل للوقود التقليدي مثل الفحم أو الغاز الطبيعي. وتحرق الإطارات الكاملة والمقطوعة في أفران الأسمنت، مما يوفر مصدر طاقة أرخص وعالي القيمة الحرارية، كما يقلل من الاعتماد على الوقود الأحفوري، على الرغم من أنه ينتج عنه انبعاثات مماثلة. ومن جانبه قال العضو المنتدب لشركة السويس للأسمنت خوسيه ماريا ماجرينا إن الشركة تحرق نحو 2000 طن سنويا. وأضاف الشركة ستستخدم على الأرجح المزيد من تلك الإطارات إذا كانت متاحة على نطاق أوسع لأنها ذات جودة جيدة ويحول هذا الأمر دون دفن الإطارات. وتشكل وحدة سيمكس في مصر نحو 2% من إجمالي استهلاك الشركة للوقود، بحسب زينب حجازي مديرة الاتصالات بالشركة.

وبنفس السياق يتعين أيضا على شركات الأسمنت التقدم للحصول على ترخيص باستخدام الوقود المشتق من الإطارات، ويتعين على تلك الشركات أن تبلغ الحكومة بالكمية التي ستستخدمها وأحجام الانبعاثات، على النحو نفسه في حال استخدام أي وقود آخر، وفقا لما قاله ماجرينا.. حيث أن إضفاء الطابع الرسمي على الكيانات العاملة في القطاع أمر بالغ الأهمية للتغلب على هذه التحديات البيئية، حيث أن مصنعي الاطارات في القطاع الخاص بحاجة إلى الاندماج بشكل أفضل في عملية إعادة التدوير.

بالوقت نفسه تتشابه هذه الديناميكية مع بعض مشكلات إدارة المخلفات الأوسع نطاقا التي تحاول الدولة حاليا التغلب عليها من خلال قانون إدارة المخلفات الجديد الصادر العام الماضي، في محاولة لإضفاء الطابع الرسمي على إدارة المخلفات من خلال نظام وطني أكثر شمولا. وبينما توجد بالتأكيد حاجة لتقديم ممارسات أفضل للصناعة والحصول على نظرة عامة أفضل بشأن حجم النفايات التي تحتاج الدولة للتعامل معها، لم يتضح بعد كيفية استيعاب ورش العمل الصغيرة في الإطار الوطني الجديد. وحاليا، يبدو أنه ما يزال هناك ما يكفي من الإطارات للنظر إليه بعين الاعتبار.