السوق العربية المشتركة | برج القريقية.. حارس أصيلة الذي يطل على أسرار الأطلسي

حين تبدأ الشمس في الانحناء نحو الأفق ويتحول لون المحيط الأطلسي إلى لوحة تتدرج بين الذهبي والبرتقالي والأحمر

السوق العربية المشتركة

الأحد 4 أكتوبر 2026 - 22:55
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

برج القريقية.. حارس أصيلة الذي يطل على أسرار الأطلسي

حين تبدأ الشمس في الانحناء نحو الأفق، ويتحول لون المحيط الأطلسي إلى لوحة تتدرج بين الذهبي والبرتقالي والأحمر، تتجه الأنظار في أصيلة نحو مكان يعرفه أهلها جيداً، ويقصده زوارها بحثاً عن لحظة مختلفة. هناك، عند نهاية الأسوار القديمة، يقف برج القريقية شامخاً في مواجهة البحر، كأنه حارس قديم للمدينة اختار أن يستبدل صخب المعارك بصمت الغروب.



لا يشبه برج القريقية مجرد معلمة تاريخية تستوقف العابرين، فهو يحمل بين أحجاره ذاكرة أصيلة، ويرتبط بتاريخ تحصين المدينة العتيقة وأسوارها، قبل أن يتحول مع مرور الزمن إلى واحدة من أكثر نقاطها جذباً للزوار ومحبي التأمل والمناظر الطبيعية. وتؤكد المصادر الرسمية الخاصة بتراث طنجة وأصيلة أن برج القريقية يرتبط بالمنظومة الدفاعية للمدينة العتيقة، التي تضم أسواراً وأبراجاً وأبواباً ذات أهمية تاريخية ومعمارية.

يقف البرج عند نهاية الأسوار المطلة على المحيط، في نقطة تبدو وكأنها شرفة معلقة بين اليابسة والماء. ومن فوقه، تنفتح أمام العين مساحة واسعة من الأطلسي، بينما تظهر المدينة العتيقة خلف الزائر بجدرانها البيضاء وأزقتها الضيقة وألوانها التي صنعت جزءاً من شهرة أصيلة. وتصف المصادر السياحية البرج بأنه من أبرز المواقع التي يقصدها الزوار للاستمتاع بغروب الشمس ومشهد المحيط.

وتعود أهمية القريقية إلى موقعها داخل منظومة التحصينات التاريخية لأصيلة، التي ارتبط جزء كبير منها بالفترة البرتغالية خلال القرن الخامس عشر. وتشير مصادر تاريخية وسياحية إلى أن البرج كان جزءاً من التحصينات التي جعلت من المدينة موقعاً دفاعياً مهماً على الساحل الأطلسي.

لكن الزمن أعاد كتابة وظيفة المكان. فالموقع الذي كان مرتبطاً بالمراقبة والدفاع أصبح اليوم واحداً من أكثر الأماكن هدوءاً ورومانسية في المدينة. لم تعد العيون التي تصعد إلى البرج تبحث عن سفن تقترب من الساحل، وإنما تبحث عن الشمس وهي تغادر السماء ببطء، وعن لحظة قصيرة يبدو خلالها البحر والسماء والمدينة وكأنها لوحة واحدة.

وتبدأ رحلة الوصول إلى القريقية من قلب المدينة العتيقة، حيث الأزقة البيضاء والجدران المزينة بالأعمال الفنية. وتمثل هذه الرحلة جزءاً من متعة المكان؛ فالزائر لا ينتقل فقط من شارع إلى آخر، وإنما يعبر طبقات من ذاكرة أصيلة، من بيوتها القديمة إلى أسوارها التاريخية، قبل أن يصل إلى النقطة التي يفتح فيها البحر ذراعيه أمامه. وتربط المصادر الخاصة بتراث المدينة بين مسارات المدينة العتيقة وبرج القريقية، الذي يقع عند نهاية أحد أهم محاورها باتجاه البحر.

وتزداد جاذبية البرج مع اقتراب المساء، حين يبدأ الزوار في التوافد إليه، بعضهم بحثاً عن صورة، وآخرون عن لحظة تأمل، بينما يختار آخرون الجلوس في صمت ومراقبة الأفق. ويصبح الغروب نفسه موعداً يومياً تتكرر فيه المشاهد، لكنها لا تبدو متشابهة أبداً؛ فالبحر يغير ألوانه، والسماء ترسم لوحة جديدة، والضوء يترك على جدران المدينة القديمة ظلالاً مختلفة كل مساء.

وتكتسب القريقية قيمتها أيضاً من علاقتها المباشرة بالمحيط. فالموقع يمنح الزائر إحساساً نادراً بالوقوف عند الحد الفاصل بين المدينة والبحر، بين ذاكرة الإنسان واتساع الطبيعة. وربما لهذا السبب أصبح البرج أحد أكثر الأماكن ارتباطاً بصورة أصيلة السياحية، إلى جانب المدينة العتيقة والأسوار والجداريات وقصر الريسوني.

ولم تكن العناية بهذا التراث مجرد مسألة جمالية، فقد شهدت معالم الواجهة البحرية لأصيلة، ومن بينها برج القريقية، أشغال ترميم وإعادة تأهيل بعد تسجيل تدهور في بعض أجزاء هذه المعالم، خصوصاً بفعل عوامل الزمن والظروف البحرية. وقد أُغلق البرج خلال فترة من أعمال الترميم التي استهدفت الحفاظ عليه وتأمينه للزوار.

وتكمن أهمية هذه العملية في أن الحفاظ على القريقية يعني الحفاظ على جزء من ذاكرة أصيلة نفسها. فالمعالم التاريخية لا تعيش فقط داخل الكتب، وإنما تستمر عندما تظل جزءاً من حياة الناس، وعندما يستطيع الزائر اليوم أن يقف في المكان نفسه الذي ظل شاهداً على تحولات المدينة عبر قرون.

وتمنح أصيلة برج القريقية معنى يتجاوز الحجر. فالمدينة التي اختارت منذ عقود أن تجعل من الفن والثقافة جزءاً من هويتها، احتفظت في الوقت نفسه بذاكرتها التاريخية، لتجمع بين الجدران القديمة والجداريات الحديثة، وبين الأسوار التي تحكي تاريخاً عسكرياً قديماً والفضاءات التي تستضيف اليوم الثقافة والفنون.

ومن هذه الزاوية، يبدو برج القريقية أشبه بصفحة مفتوحة من كتاب أصيلة. صفحة بدأت بلغة التحصينات والمراقبة والدفاع، ثم تغيرت مفرداتها مع الزمن لتصبح لغة الجمال والهدوء والتأمل.

وعندما يقترب الغروب، تختفي الحدود بين البرج والبحر والسماء. يجلس الزوار على الحافة، تتعالى أصواتهم للحظات، ثم يخفت الكلام أمام المشهد. تواصل الشمس رحلتها نحو الأفق، ويظل البرج في مكانه، كما ظل طوال سنوات طويلة، يراقب البحر ويحفظ للمدينة واحدة من أجمل لحظاتها اليومية.

هكذا، لا يبدو برج القريقية مجرد برج قديم على أطراف أصيلة، بل ذاكرة حجرية اختارت أن تبقى مفتوحة على البحر. معلمة تحمل تاريخاً طويلاً، لكنها تعيش اليوم لحظتها الأكثر شاعرية عندما يجتمع عندها أهل المدينة والزوار لمشاهدة الشمس وهي تغادر يوماً آخر.

وربما تكمن أجمل حكايات القريقية في أن المكان الذي كان يوماً جزءاً من دفاع المدينة أصبح اليوم جزءاً من صورتها الجميلة؛ مكاناً يأتي إليه الناس لا خوفاً من القادم من البحر، وإنما حباً في البحر نفسه، وانتظاراً لغروب يمنح أصيلة كل مساء لوناً جديداً.