السوق العربية المشتركة | الذكاء الاصطناعى.. ويوم القيامة!

هل يفلت الذكاء الاصطناعى ذلك الوحش الرقمى من القفصالعلماء: لقد صنعنا عقلا أذكى منا وربما لا نعرف كيف نوقفه

السوق العربية المشتركة

الأحد 4 أكتوبر 2026 - 10:29
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
الذكاء الاصطناعى.. ويوم القيامة!

الذكاء الاصطناعى.. ويوم القيامة!

هل يفلت الذكاء الاصطناعى، ذلك الوحش الرقمى، من القفص؟



 

العلماء: لقد صنعنا عقلًا أذكى منا وربما لا نعرف كيف نوقفه..

 

لم يعد الذكاء الاصطناعى مجرد برنامج نُعطيه الأوامر فيُجيب صاغرُا.. شيئًا فشيئًا، تحوَّل إلى قوة هائلة تتعلَّم، وتُخطط، وتتواصل، وتتخذ القرارات، وتتعامل مع العالم بسرعة تفوق قدرة الإنسان.. وهنا يطل السؤال الأكثر رعبًا: هل يُمكن أن يأتى يوم يُصبح فيه الإنسان الحلقة الأضعف أمام آلة صنعها بيديه؟

 

السؤال طرحته خلال لقاءٍ مُطوّل جمعنى، الثلاثاء الماضى، بالعالِم المصرى الكبير الأستاذ د.محمود عبد العاطى، رئيس اللجنة الوطنية لعلوم الذكاء الاصطناعى، الحائز على جائزة الدولة التقديرية فى العلوم التكنولوجية المتقدمة، فى حضور الأصدقاء اللواء محمد بكرى، مساعد وزير الداخلية السابق، والإعلامى حمادة عثمان والمهندسين أحمد سعد وحازم النمر ومحمد قريشى.. تحدَّث د. عبد العاطى عن التطوّر المتسارع للذكاء الاصطناعى، والمخاوف العالمية المتزايدة من أن تتحوَّل القدرات الخارقة التى يمنحها للبشر إلى خطر عليهم إذا غابت الضوابط.

 

سألته: هل أفلت الذكاء الاصطناعى بالفعل من سيطرة البشر؟ وهل لا تزال لدينا الإرادة الجماعية لفرض قواعد تحمى الإنسانية قبل أن يُصبح فرضها مستحيلًا؟

 

جاءت إجابته تحمل قدرًا من القلق وقال: منذ ثلاثة أعوام، وقَّع ألف من أبرز المتخصصين فى الذكاء الاصطناعى على تحذيرٍ دعا إلى التعامل مع خطر الانقراض المرتبط بهذه التكنولوجيا باعتباره أولوية عالمية، إلى جانب مخاطر كبرى مثل الأوبئة والحرب النووية..

 

لكن المشهد، وفقًا لما يستشهد به الخبراء، لم يعد مجرد تحذيرات نظرية، ففى يوليو الماضى ظهرت تقارير عن حادثة مُثيرة للقلق تضمَّنت أن وكلاء ذكاء اصطناعى تمكَّنوا من الخروج من بيئة اختبار معزولة والتفاعل مع منصة للذكاء الاصطناعى فى سياق اختبار أمنى. والأكثر إثارة كان الحديث عن قدرة هؤلاء الوكلاء على التنسيق والتواصل وإخفاء بعض أنشطتهم عن المشرفين.

 

وهنا انتقل السؤال من «ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعى أن يفعل؟» إلى سؤال أكثر خطورة: «ماذا يمكن أن يفعل إذا امتلك هدفًا خاصًا ووسائل لتنفيذه؟».. وتزداد المخاوف عندما يلتقى الذكاء الاصطناعى بمجالات شديدة الحساسية. فقد حذَّرت تقارير دولية من مخاطر استخدامه فى تطوير أسلحة بيولوجية أو تسهيل الوصول إلى معلومات يمكن إساءة استخدامها، كما برزت مخاوف أخرى بشأن إدخاله فى أنظمة القيادة والتحكم النووية، حيث يمكن لأى خطأ أو سوء تفسير أن تكون عواقبه كارثية.. ولذلك لم يعد التحذير حِكرًا على فريق من المتشائمين.

 

فهذا جيفرى هينتون، أحد أبرز رواد الذكاء الاصطناعى الحائز على جائزة نوبل فى الفيزياء عام 2024، يُحذِّر من احتمال أن تُصبح الأنظمة المتقدمة أكثر ذكاءً من البشر، وأن يؤدى ذلك إلى فقدان الإنسان السيطرة عليها. وذهب إلى تقدير احتمال انقراض البشرية بسبب الذكاء الاصطناعى خلال العقد المقبل بنحو 10%، معتبرًا هذا الاحتمال غير مُستبعد.

 

وهذا يوشوا بنجيو، الحائز على جائزة تورينج، يدعو إلى إخضاع الذكاء الاصطناعى المتقدم لضوابط دولية صارمة، مؤكدًا أن مخاطره لا تستطيع دولة واحدة احتواءها، لأن التكنولوجيا لا تعترف بالحدود السياسية.. قلت للدكتور محمود عبد العاطى: هذا الكلام مرعب.. وجاءنى رده سريعًا: المفاجأة الأكثر رعبًا أن بعض المخاوف تأتى من داخل الشركات التى تُطوِّر هذه التكنولوجيا نفسها. فقد عبَّر باحثون فى مجال سلامة الذكاء الاصطناعى عن خشيتهم من أن يُؤدى السباق نحو بناء أنظمة أكثر قدرة إلى تجاوز قدرة البشر على التحكم فيها.

 

الخبراء لا يطرحون الاستسلام، بل يبحثون عن «ذكاء اصطناعى آمن»، وعن أنظمة تستطيع اكتشاف السلوكيات الخادعة أو الخطرة، وعن اتفاقيات دولية تضع خطوطًا حمراء واضحة.. فى نهاية حديثى قلت للدكتور محمود عبدالعاطى تلميذ د. أحمد زويل والحائز على العديد من الجوائز العالمية: هل يمكن أن يدمر الذكاء الاصطناعى البشرية ويعجل بيوم القيامة؟

 

قال: الذكاء الاصطناعى الذى تم اختراعه لخدمة الإنسان تحوّل إلى قوة قد تُهدد بقاء الإنسان، فهل نستطيع إيقافه؟

الخطر ليس بالضرورة أن تستيقظ الآلات ذات يوم وتقرر القضاء على البشر كما فى أفلام الخيال العلمى.. الخطر الأكثر واقعية أن يمنحها الإنسان صلاحيات هائلة، ثم يكتشف متأخرًا أن إيقافها أصبح أصعب بكثير من تشغيلها.

لقد صنع الإنسان الذكاء الاصطناعى.. لكن التحدى الحقيقى الآن هو أن يظل الإنسان هو من يمسك زر الإيقاف!!

 

امرأة بألف رجل

 

إنها كاترين غونارسدوتير، وزيرة خارجية آيسلندا، التى لقَّنت رئيس الوزراء الإسرائيلى بنيامين نتنياهو درسًا فى الأمم المتحدة بعد وصفه لوفود الدول الـ٧٧ التى غادرت قاعة الأمم المتحدة أثناء خطابه بـ «الجبناء أخلاقيًا».. فى موقف شجاع هزَّ قاعة الأمم المتحدة، ردَّت وزيرة خارجية أيسلندا بقوة على نتنياهو وقالت: الجبناء الحقيقيون هم مَن يرفضون تحقيق سلام عادل، ويمنعون وصول الغذاء والماء لملايين البشر فى غـزة.. الجبناء حقًا هم من يتوهمون أن معاناة ملايين الفلسطيـنيين مجرد ضجيج فى الخلفية..

 

كلمات إنسانية تاريخية دافعت بها عن الحق الفلسطيـنى فى وجه الغطرسة، ولاقت صدى واسعًا فى العالم، بينما كان صمت الكثير من دول العالم سيد الموقف، دون أن يجرؤ أحد منهم على قول كلمة بهذا المستوى من الشجاعة.. تحية لهذه المرأة الحرة.. التى أثبتت أن المواقف ليست بالعدد، بل بالمبدأ.

 

اليوبيل الذهبى لمدرستى

 

هناك أماكن لا يُغادرها الإنسان.. مهما ابتعد عنها تبقى ساكنة فى القلب، محفورة فى الذاكرة، كلما مر الزمن عليها زاد بريقها، وكأنها ترفض أن تُصبح مجرد ذكرى.. من هذه الأماكن بالنسبة لى مدرستى: مدرسة عنيبس الإعدادية المشتركة، التى تحتفل هذه الأيام باليوبيل الذهبى، حيث تم افتتاحها فى الأول من أكتوبر عام 1976، لم تكن مدرسة.. بل كانت ميلاد حلم، وبداية حكاية، ونافذة أمل لأبناء القرية.

 

قبلها كان تلاميذ قريتى عنيبس يقطعون نحو عشرة كيلومترات للوصول إلى مدارسهم بمدينة طهطا، حتى جاء اليوم الذى أصبحت فيه المدرسة بيننا، قريبة من البيوت والقلوب، لتضع حدًا لمشقة الطريق وتفتح لأبناء القرية طريقًا نحو العلم والمستقبل.. من هنا بدأت الحكاية.. ومن هنا بدأت أحلامنا الصغيرة تكبر معنا.

 

خمسون عامًا مرت، لكننى كلما أغمضت عينى رأيت المشهد كما لو كان بالأمس.. طابور الصباح الأول، وجوه التلاميذ، أصوات المُدرسين، وملامح مدرسة وليدة لم تكن تملك الكثير من الإمكانيات، لكنها كانت تملك ما هو أعظم: رجالًا يُؤمنون بالرسالة.

 

كنت واحدًا من تلاميذ الدفعة الأولى، بعد أن تم تجميعنا من مدارس طهطا، لنكون نواة المدرسة الجديدة.. كنا نحو ستين تلميذًا فى فصلين، وكان عدد المدرسين قليلًا، لكنهم كانوا كبارًا فى العطاء، عظماء فى المسئولية، لا يعرفون المستحيل.. وفى مقدمتهم أستاذى الراحل العظيم ابن القرية الأستاذ محمود عبد الرحيم عبدالمولى، أول مدير للمدرسة.. كان رجلًا استثنائيًا، لا يعرف الراحة ولا يختبئ خلف مكتبه؛ كان مديرًا ووكيلًا، ومدرسًا عبقريًا للغة العربية، وسكرتيرًا، ومشرفًا للنشاط.. كان يُؤمن بأن القيادة خدمة، وأن المسئولية أمانة، وأن المدرسة تُبنى بالإنسان قبل الجدران.

 

لا تزال صور أساتذتى إبراهيم جلال، وأحمد فؤاد صادق، وحنا ميلاد، وكامل الملك، وأحمد محمد حاضرة فى الوجدان. رحم الله من رحل منهم، وأطال الله عمر من بقى.. لم يكونوا مجرد مدرسين.. كانوا صُنّاع أجيال، زرعوا فينا العلم والقيم، وتركوا وراءهم أثرًا لا تستطيع السنوات أن تمحوه.. من بين جدران هذه المدرسة بدأت أيضًا حكاية عشقى للصحافة. فقد أسند إلىَّ الأستاذ محمود عبد الرحيم، مدير المدرسة، مهمة إلقاء كلمة الصباح وقراءة عناوين الصحف فى الإذاعة المدرسية.. لم أكن أعرف يومها أن الوقوف أمام ذلك الميكروفون الصغير سيكون أول خطوة فى طريق طويل مع صاحبة الجلالة.

 

هنا عشت أجمل سنوات الطفولة والصبا، بين زملاء أفاضل ورفاق عمر أتمنى لو أستطيع أن أكتب أسماءهم جميعًا، لكننى أخشى أن تخوننى الذاكرة فأغفل زملاء لهم فى القلب مكان ومكانة.. لذلك كانت سعادتى كبيرة بالاحتفالية الإلكترونية الرائعة التى نظّمتها إدارة المدرسة الأسبوع الماضى بقيادة الخلوق الأستاذ أحمد عبدالسلام، مدير المدرسة، بمشاركة زملائه الوكلاء والمدرسين والإداريين احتفالًا باليوبيل الذهبى للمدرسة.. فقد أعادت صور البدايات إلينا زمنًا جميلًا، وفتحت نوافذ الذاكرة على وجوه عظيمة صنعت تاريخ المدرسة.

 

إلى مدرستى الحبيبة فى عيدها: كل عام وأنتِ فى القلب، وكل عام وأنتِ واحة للعلم والتعليم ومنارة لقريتنا.. من طابور الصباح الأول عام ١٩٧٦ إلى اليوبيل الذهبى عام ٢٠٢٦ تغيَّرت الوجوه.. وتبدلت الأيام.. وكبرنا جميعًا، لكن الحكاية لم تكبر علينا.. لأنها ببساطة ما زالت تسكن قلوبنا.. خمسون عامًا مضت.. وما زالت البداية أجمل ما فى الحكاية.. وعقبال اليوبيل الماسى.. ثم البلاتينى.