الوزير الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة.. حين تتحدث الدولة بلغة الجهوزية والوحدة
في أوقات الأزمات ، لا تُقاس قوة الدول بكثرة الخطابات وإنما بقدرتها على تحويل الاستعداد إلى فعل ، والخطط إلى واقع ، والقلق إلى طمأنينة .
ومن هذا المنطلق ، جاءت كلمة معالي وزير الداخلية الفريق أول ركن الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة أمام الإجتماع المشترك لمجلسي النواب والشورى ، لتقدم قراءة واضحة لمنظومة وطنية تعاملت مع ظروف استثنائية بعقل الدولة ، وروح المسؤولية ، وصلابة القرار .
ولعل أبرز ما يميز كلمة معالي وزير الداخلية أنها لم تتعامل مع الجهوزية الوطنية باعتبارها استجابة طارئة فرضتها الأحداث ، بل وضعتها في سياق مشروع وطني ممتد ، بدأ مع المشروع الإصلاحي لجلالة الملك حمد بن عيسى آل خليفة حفظه الله ورعاه ملك مملكة البحرين المعظم ، وبحرص وإهتمام صاحب السمو الملكي الأمير سلمان بن حمد آل خليفة حفظه الله ولي العهد رئيس مجلس الوزراء ، وترسخ عبر بناء مؤسسات الدولة وتعزيز التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية .
وهنا تكمن أهمية الرسالة ، فالجاهزية الحقيقية لا تُبنى ساعة الخطر، وإنما تُبنى في سنوات الاستقرار بالتخطيط ، والتدريب ، وتكامل المؤسسات ووضوح المسؤوليات .
وقد كشفت الكلمة عن منظومة متكاملة لإدارة الأزمات ، شاركت فيها المؤسسات العسكرية والأمنية والمدنية ، من خلال دوائر صنع القرار ومجالس ولجان إدارة الطوارئ ، إلى جانب تفعيل غرف العمليات وخطط الإيواء والإسعاف والخدمات الطبية ، وضمان إستمرار الخدمات وسلاسل الإمداد ومتابعة المخزون الاستراتيجي .
ومن الأرقام التي حملتها كلمة معالي وزير الداخلية دلالة واضحة على حجم الإستعداد ، الإشارة إلى تجهيز 35 مركزًا للإيواء في مختلف المحافظات ، بطاقة استيعابية تتجاوز *40 ألف شخص*، إلى جانب تعزيز منظومة التنبيهات الإلكترونية ورفع جاهزية الخدمات الطبية والاستجابة للمخاطر السيبرانية .
إنها ليست أرقاماً للإستهلاك الإعلامي ، بل مؤشرات على مفهوم أوسع للأمن ، أمن لا يقتصر على حماية الحدود والمنشآت ، وإنما يمتد إلى حماية الإنسان ، وضمان إحتياجاته الأساسية ، وإستمرار الخدمات التي تقوم عليها حياته اليومية .
واللافت كذلك أن الكلمة وضعت *المواطن في قلب منظومة إدارة الأزمة* من خلال التأكيد على التوجيهات الملكية بدعم المواطنين ومعالجة الأضرار التي لحقت بمنازلهم ، وهو ما يعكس أن الأمن في مفهوم الدولة الحديثة لا ينفصل عن المسؤولية الإجتماعية والإنسانية .
كما حملت الكلمة رسالة بالغة الأهمية بشأن *استمرار التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية*؛ فالأزمات الكبرى لا تحتمل ترف الاختلاف ، ولا تسمح بتجزئة المسؤولية الوطنية. وعندما تتكامل المؤسسات ، يصبح القرار أكثر قدرة على مواجهة التحديات ، وتصبح الدولة أكثر تماسكًا في حماية مكتسباتها .
ولعل أقوى ما في كلمة معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة كان تأكيده أن الظروف الإستثنائية لا ينبغي أن تكون سبباً للإختلاف أو التفرق ، بل دافعاً إلى مزيد من التماسك والوحدة الوطنية .
وهذه الرسالة تتجاوز حدود اللحظة الراهنة ؛ فالوحدة الوطنية ليست شعاراً يُرفع في المناسبات ، وإنما رصيد إستراتيجي للدولة ، تتجلى قيمته الحقيقية عندما تواجه الشعوب ظروفاً صعبة واختبارات قاسية .
لقد تحدث معالي وزير الداخلية بلغة الدولة التي تعرف أن الأمن مسؤولية مشتركة ، وأن حماية الوطن لا تقع على عاتق مؤسسة واحدة، وإنما هي منظومة متكاملة تبدأ بالقيادة ، وتمتد إلى مؤسسات الدولة ، وتصل إلى المواطن الذي يمثل خط الدفاع الأول عن تماسك مجتمعه ووعي وطنه .
وفي المقابل ، فإن استعراض الجهوزية العسكرية والأمنية والمدنية في الكلمة لم يأتِ بمعزل عن التأكيد على استمرار الخدمات وتأمين الغذاء والماء والدواء وتنويع مصادر التوريد ومراقبة الأسواق والمخزون الاستراتيجي ؛ وهي رؤية تؤكد أن *قوة الدولة تقاس أيضًا بقدرتها على إبقاء عجلة الحياة دائرة في أصعب الظروف*.
ومن هنا يمكن قراءة كلمة معالي وزير الداخلية باعتبارها شهادة على تجربة وطنية في إدارة الأزمات ، ورسالة إلى الداخل بأن مؤسسات الدولة تعمل ضمن منظومة واحدة ، وإلى الخارج بأن مملكة البحرين تتعامل مع التحديات بمنطق الدولة ، ووضوح القرار ، وتكامل المؤسسات .
وفي ختام كلمته ، عاد معالي الشيخ راشد بن عبدالله آل خليفة إلى المعنى الأهم : *حب الوطن ، والدفاع عن الأرض، والاعتزاز بالانتماء، والمسؤولية والولاء للقيادة*.
تلك هي خلاصة الحكاية ؛ فحين تتكامل *القيادة والجهوزية، والمؤسسة والمواطن، والقرار والوحدة*، يصبح الوطن أكثر قدرة على عبور الأزمات.
وكلمة وزير الداخلية لم تكن مجرد استعراض لما تم إنجازه، بل كانت تذكيرًا بأن *الدول القوية لا تنتظر الأزمة لتستعد لها؛ بل تبني جاهزيتها في زمن الهدوء، لتكون أكثر ثباتًا عندما تهب العواصف.*
وهنا نستذكر بيتين من أبيات الشعر للمتنبي :
على قدر أهل العزم تأتي العزائُمُ ، ، وتأتي على قدر الكرامُ المكارمُ .
وتعظُمُ فى عَينِ الصغِيرِ صغارُها ، ، وتصغُرُ فى عَينِ العظِيمِ العَضائِمُ
جمال الياقوت
عضو الإتحاد العام للصحفيين العرب وعضو الإتحاد الدولي للصحفيين



















