السوق العربية المشتركة | عندما حاول الإخوان الفتك بياسر رزق!!

.. وانتفض ياسر رزق واقفا وقال بتحد وإصرار: أنا رايح ميدان التحرير الآن.. قلنا له: انت مجنون تروح إزاى والإخوا

السوق العربية المشتركة

الإثنين 2 فبراير 2026 - 09:01
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
عندما حاول الإخوان الفتك بياسر رزق!!

عندما حاول الإخوان الفتك بياسر رزق!!

.. وانتفض ياسر رزق واقفا وقال بتحدٍ وإصرار: أنا رايح ميدان التحرير الآن.. قلنا له: انت مجنون تروح إزاى والإخوان معلقين صورتك بالحجم الطبيعى فى الميدان مطلوب حيا أو ميتا.. لكنه أصر وكادوا يفتكون به!!



 

عقارب الساعة كانت تشير إلى الثامنة مساء عندما كنا نلتف حول «مائدة الدسك» بصالة تحرير الأخبار عقب الانتهاء من تجهيز صفحات الجريدة وإرسالها إلى المطبعة.. كان محور الحديث عما يحدث فى ميدان التحرير وكيف أحكم الإخوان قبضتهم على الميدان وإغلاقه من كل الاتجاهات ببوابات لا تسمح بمرور إلا أنصارهم.

 

فجأة هب ياسر رزق -رئيس تحرير الأخبار- فى ذلك الوقت واقفا وقال لنا بكل تحدٍ وإصرار: أنا رايح ميدان التحرير الآن حد عاوز ييجى معايا؟!

 

الدهشة سيطرت علينا وقلنا فى نفس واحد: انت مجنون.. عاوز تروح الميدان والإخوان معلقين صورتك بالحجم الطبيعى إنك مطلوب حيا أو ميتا!!.. رد بكل ثقة وقد همَّ بمغادرة صالة التحرير فى اتجاه المصعد: نعم أنا رايح التحرير لمواجهة ولاد الـ…. ولو مش عايزين تيجو براحتكم أنا هروح لوحدي!!

 

بالطبع لم نتردد وهرولنا خلفه أنا والزملاء علاء عبدالهادى وشريف خفاجى ومحمد عبدالحافظ .. انطلقنا جميعا سيرا على الأقدام من شارع الصحافة إلى ميدان التحرير وأثناء دخولنا الميدان من ناحية ميدان عبدالمنعم رياض أوقفتنا لجان الأمن الإخوانية المكلفة بتأمين الميدان ومنعونا من الدخول وصاح أحدهم: أنت ياسر رزق امشى من هنا عشان مش هيحصل لك طيب.. رد ياسر بكل ثقة هادخل يعنى هادخل وإمام إصراره طلب أحدهم منا الانتظار لحين إخطار كبيرهم بالميدان وبعد دقائق عاد إلينا وسمحوا لنا بالدخول.. اخترقنا الحشود برفقة مندوب الجماعة الذى أوصلنا إلى حشد من المتظاهرين يفترشون حديقة وسط الميدان.. رمقوا ياسر رزق بنظرات نارية تكاد تفتك به ووجه بعضهم الشتائم له وكادت المواجهة تتحول إلى اعتداء صريح لولا أن تصرفنا نحن المرافقين له بحكمة لتهدئة الموقف.

 

صاحوا فى وجهه: أنت عدو الثورة.. انت بتاع الحزب الوطنى والنظام والدولة العميقة.. أنتم سحرة فرعون.. أنتم وأنتم وأنتم فى سباب للصحافة.. هنا ارتفعت دقات قلوبنا وشعرنا أن الخطر يحيط بنا من كل جانب وأن الاعتداء على ياسر قادم لا محالة.. وهنا تدخل كبيرهم وقام بتهدئة الموقف وقال لهم: خلونا نسمعه ونشوفه عاوز يقول إيه.

 

وتحدث ياسر بأسلوبه المقنع بكل قوة وتكهرب الجو إلى ما يشبه المناظرة والمحاكمة حيث الاتهامات المتبادلة.. قال لهم: مين فوضكم تتكلموا باسم الثورة وباسم المصريين؟.. أنتم لم تصنعوا الثورة أنتم قفزتم على ثورة شباب طاهر وقمتم باختطافها.. أنتم عاوزين تستبدلوا النظام بتنظيم ديني!!.. ليه كل هتافات الميدان واحدة؟ ليه المنصة فى إيدكم؟ وليه أى صوت غيركم يتشتم ويتخوّن؟

 

قالوا : انت بتشوّه الثورة وبتحارب الثوار.. رد بحسم: اللى بيشوّه الثورة هم اللى عايزين يحتكروها.. مصر مش عزبة.. وميدان التحرير مش مكتب إرشاد!!

 

وهنا انفجر شباب الإخوان غضبا بعد أن فشلوا فى مواجهته الحجة بالحجة وبدأوا يتطاولون عليه قائلين: هنحاكمكم ومش هنسيبكم ودفعه أحدهم فى صدره وهنا تدخل العقلاء وتم احتواء الموقف وانتهى الحصار الإخوانى لياسر رزق بعد ٦٠ دقيقة عصيبة فى قبضة الإخوان الذين كادوا يفتكون به وخرجنا من الميدان نحمد الله على النجاة!!

 

لقد علّق الإخوان صور عدد من الصحفيين على رأسهم ياسر رزق فى ميدان التحرير مع عبارات التخوين والاتهام وكانت رسالتهم واضحة لكل صاحب قلم: إما أن تكون معنا.. أو تُعلَّق صورتك فى الميدان!!

 

لكن ياسر واجه بقلمه جماعة أرادت أن تستبدل علم مصر براية التنظيم وأن تستبدل إرادة الشعب بالسمع والطاعة لمكتب الإرشاد!!

 

ترقية على الهواء

 

التاريخ علمنا أن الكبار يكبرون من معهم ويصنعون المجد لزملائهم، والأقزام يدفنون أى موهبة تهدد مناصبهم.. فالكبير لا يخشى من حوله بل يصنع منهم قادة، ويفتح لهم أبواب النجاح، لأنه واثق أن القوة فى الفريق لا فى الفرد.. والقزم ترتعد فرائصه من كل موهبة ويضيق بكل ناجح، ويعتبر بروزه تهديدًا لكرسيه لا إضافة للمكان.

 

..الكبار يرفعون من يعملون معهم فتعلو المؤسسات وتزدهر، والأقزام يكسّرون المجاديف حتى يظلوا وحدهم فى المشهد.. ولو غرق المركب بمن فيه.

 

وأشهد الله أن ياسر رزق كان أفضل نموذج للكبير الواثق من نفسه وقدراته الحريص على تكبير زملائه ودفعهم للأمام وتقديمهم للآخرين بما يليق به وبهم.. لم يعرف يوما الغيرة المهنية بل عرف معنى القائد الذى يفرح بنجاح من حوله.. أذكر أننى كنت أقوم بتغطية أحداث ٢٥ يناير فى ميدان التحرير وقامت الإعلامية لميس الحديدى بعمل مداخلة تليفونية معى للتليفزيون المصرى عما يحدث فى الميدان ولم أكن أعلم أن ضيفها بالاستوديو رئيس التحرير ياسر رزق.. قدمتنى لميس الحديدى قائلة: ومعنا من قلب ميدان التحرير الصحفى جمال حسين رئيس قسم الحوادث بجريدة الأخبار وفوجئت بالأستاذ ياسر رزق يتدخل ويقول لها يا أستاذة لميس الأستاذ جمال حسين نائب رئيس تحرير الأخبار وهنا اعتذرت لميس وأعادت تقديمى بالمنصب الذى منحه لى ياسر رزق على الهواء مباشرة.. وعندما ذهبت إلى مقر الجريدة فى اليوم التالى كان حديث الزملاء عن ترقيتى على الهواء مباشرة.. هكذا تكون تصرفات الكبار وهكذا كان ياسر رزق كبيرا خلوقا إنسانا جابرا للخواطر يترفع عن الصغائر ولذلك أحبه الجميع.

 

حدث فى نيويورك

 

ذكرياتى مع ياسر رزق تحتاج كتبا ومجلدات فقد كان أول من التقيته عام ١٩٨٦ قبل التحاقى بمؤسسة أخبار اليوم حين دخلت شارع الصحافة قادما من الصعيد لاستلام أهم جائزة فى حياتى هى جائزة مصطفى وعلى أمين الصحفية بصفتى الأول على دفعة قسم الصحافة بسوهاج وتصادف أن فاز ياسر رزق أيضا بنفس الجائزة فرع الانتماء الصحفي.. ومنذ ذلك التاريخ لم نفترق إلا برحيله المفاجئ.. رافقته فى رحلة إلى أمريكا ضمن وفد رؤساء التحرير المرافقين للرئيس عبدالفتاح السيسى لتغطية فعاليات الجمعية العامة للأمم المتحدة.. كانت شعبية ياسر رزق كبيرة بين المصريين بأمريكا حيث كانوا يستوقفونه لالتقاط الصور التذكارية وفى أحد الأيام قام مدير الفندق وهو مصرى بدعوة الحضور على العشاء تكريما لياسر رزق.. وخلال اجتماعات الجمعية العامة كان ياسر رزق شعلة نشاط لا يهدأ.. يتحرك فى كل مكان بين أروقة الأمم المتحدة يجرى لقاءات مع أعضاء الوفود لإجادته الإنجليزية.. وفى إحدى المرات أثناء دخولنا الأمم المتحدة عبر ساحة المظاهرات المواجهة لمقر الأمم المتحدة والمخصصة للتظاهرات.. فوجئنا بالإخوانى بهجت صابر يوجّه لنا ولمصر سيلا من الشتائم.. اشتبكت معه لفظيا أنا والزميل عبدالرازق توفيق رئيس تحرير الجمهورية وحاول التعدى علينا لكن ياسر رزق وباقى الوفد الإعلامى سارعوا لنجدتنا.

 

طبت حيا وميتا

 

فى مثل هذه الأيام قبل ٤ سنوات رحل عنا ياسر رزق الوطنى حتى النخاع الذى وقف بكل شجاعة فى مواجهة تنظيم الإخوان الإرهابى لا يحمل سوى قلمه وإيمانه بأن مصر أكبر من أن تُختطف ولا يمكن أن تُحكم من مكتب الإرشاد وصدق حين وصفهم بأنهم «جملة اعتراضية فى عمر الزمن».. دفع ثمن مواقفه حين انتقموا منه وأقالوه من رئاسة تحرير جريدة الأخبار لكنه عاد بعد ثورة ٣٠ يونيو إلى معشوقته الأخبار ملكا متوجا. 

 

رحل جسدا بعد أن اختار الوضوح فى زمن الحسابات المتقلبة وهو الآن الغائب الحاضر. وفقط انتقل من بيننا إلى ذاكرة الوطن.

 

طبت حيا وميتا يا ياسر، فالسيرة كما يقولون أطول من العمر.