السوق العربية المشتركة | من جذور الصحراء إلى الأسواق العالمية.. حكاية شجر الأركان

في عالم يتسارع فيه الإيقاع وتتعاظم فيه التحديات البيئية يظل شجر الأركان شاهدا حيا على قدرة الطبيعة على ال

السوق العربية المشتركة

الأربعاء 7 يناير 2026 - 18:57
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

من جذور الصحراء إلى الأسواق العالمية.. حكاية شجر الأركان

في عالمٍ يتسارع فيه الإيقاع وتتعاظم فيه التحديات البيئية، يظل شجر الأركان شاهدًا حيًّا على قدرة الطبيعة على الصمود والعطاء. فوسط الأراضي الجافة بجنوب المغرب، تقف هذه الشجرة العريقة بجذورها العميقة وأغصانها المتشابكة كحارسٍ أمين للأرض والإنسان معًا. ليست شجرة الأركان مجرد نباتٍ ينمو في بيئة قاسية، بل هي حكاية وطن تمتد جذورها في التاريخ، وتتفرع أغصانها في الاقتصاد والثقافة والهوية، حتى باتت رمزًا مغربيًا أصيلًا وكنزًا طبيعيًا يحظى باهتمام العالم.



حيث يُعدّ شجر الأركان أحد أبرز الرموز الطبيعية التي تميّز المغرب عن باقي دول العالم، فهو شجرة نادرة لا تنمو طبيعيًا إلا في مناطق محدودة من الجنوب الغربي للمملكة. ومنذ قرون، شكّل الأركان عنصرًا أساسيًا في حياة الإنسان المحلي، قبل أن يتحول اليوم إلى ثروة وطنية ذات أبعاد بيئية واقتصادية واجتماعية، ويحجز لنفسه مكانة مرموقة في الأسواق العالمية

ينتشر شجر الأركان أساسًا في مناطق سوس والصويرة وتارودانت وتزنيت وأكادير، حيث تغطي غاباته مساحات شاسعة تساهم في حماية التربة والحد من التصحر. ويتميّز هذا الشجر بقدرته الكبيرة على التكيّف مع المناخ الجاف، بفضل جذوره العميقة التي تمكّنه من امتصاص المياه من أعماق الأرض، فضلًا عن عمره الطويل الذي قد يمتد لأكثر من مئتي عام.

ولا تقتصر أهمية الأركان على دوره البيئي فقط، بل تتجلى قيمته الاقتصادية في زيت الأركان المعروف عالميًا بـ«الذهب السائل». فهذا الزيت، الذي يُستخرج من لوز ثمار الأركان، يُستخدم في التغذية والصناعات التجميلية والطبية، لما يحتويه من عناصر طبيعية مفيدة، أبرزها فيتامين E والأحماض الدهنية. وقد ساهم الطلب العالمي المتزايد على زيت الأركان في إدخاله بقوة إلى الأسواق الأوروبية والأمريكية والآسيوية.

وفي قلب هذه المنظومة، تلعب المرأة القروية دورًا محوريًا من خلال التعاونيات النسائية، التي ساهمت في تحويل استخراج الزيت من نشاط تقليدي بسيط إلى مشروع تنموي مستدام. وقد مكّنت هذه التعاونيات آلاف النساء من الاستقلال الاقتصادي وتحسين أوضاعهن الاجتماعية، إلى جانب الحفاظ على الموروث الثقافي المرتبط بالأركان.

ورغم هذه الأهمية، يواجه شجر الأركان تحديات متزايدة، من بينها التغير المناخي، والاستغلال المفرط، والتوسع العمراني، ما يفرض ضرورة تعزيز برامج الحماية والتشجير، وتكريس الوعي بأهمية هذا الإرث الطبيعي.

وهكذا، يظل شجر الأركان أكثر من مجرد شجرة؛ إنه قصة وطن، وجسر يربط بين الأصالة والتنمية، ويجسد قدرة المغرب على تحويل ثرواته الطبيعية إلى رافعة حقيقية للمستقبل.