السوق العربية المشتركة | مدينة مغربية أسرت العالم بالألوان.. جدران أصيلة تحكي ما لا تقوله الكتب

في أصيلة المغربية لا تحتاج إلى دخول متحف كي تلتقي بالفن ولا إلى الوقوف أمام لوحة معلقة لتكتشف سحر الألوان

السوق العربية المشتركة

الأحد 11 أكتوبر 2026 - 23:44
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

مدينة مغربية أسرت العالم بالألوان.. جدران أصيلة تحكي ما لا تقوله الكتب

في أصيلة المغربية، لا تحتاج إلى دخول متحف كي تلتقي بالفن، ولا إلى الوقوف أمام لوحة معلّقة لتكتشف سحر الألوان؛ يكفي أن تتجول في أزقتها الضيقة، حيث تتحول الجدران البيضاء إلى صفحات مفتوحة تحكي قصص الإبداع، وتختصر علاقة استثنائية بين مدينة صغيرة وفن تجاوز حدود المكان إلى العالم.



 

هنا، على ضفاف المحيط الأطلسي، لا تبدو الجدران مجرد حدود تفصل البيوت عن الشوارع، بل تتحول إلى لوحات نابضة بالحياة، تتداخل فوقها الألوان والخطوط والأشكال، وتمنح الأزقة القديمة روحًا متجددة، تجعل من التجول في المدينة رحلة بين الفن والتاريخ والذاكرة.

 

من جدران صامتة إلى لوحات تنبض بالحياة

 

لم تولد حكاية جدران أصيلة من رغبة عابرة في تجميل المدينة، بل ارتبطت بمشروع ثقافي أوسع انطلق عام 1978، مع تأسيس موسم أصيلة الثقافي الدولي، الذي أسهم في إعادة إحياء المدينة القديمة وتحويل فضاءاتها العامة إلى مساحات مفتوحة للإبداع

 

في تلك التجربة، التقت رؤية الفنان المغربي محمد المليحي مع جهود محمد بن عيسى، إلى جانب فنانين ومثقفين آخرين، لإعادة اكتشاف المدينة من خلال الفن، وإخراج الإبداع التشكيلي من قاعات العرض المغلقة إلى قلب الحياة اليومية في منتدى مؤسسة اصيله وتتواصل اليوم مع حاتم البطيوي، الأمين العام الحالي للمنتدى 

 

حيث كانت الجدران هي نقطة البداية؛ تُجدّد طبقاتها البيضاء، ثم يترك الفنانون عليها بصماتهم، فتولد جداريات تحمل رؤى وأساليب مختلفة، وتمنح المكان ملامح بصرية تتجدد مع دورات الموسم الثقافي. ولم يكن الهدف مجرد إضافة ألوان إلى الحجارة، بل إعادة الاعتبار إلى المدينة القديمة، وربط الفن بسكانها وفضائها العام

. 

لوحات تتغير.. وروح لا تغيب

 

ما يميز جدران أصيلة أن جمالها لا يقوم على الثبات، بل على التجدد. فالأعمال التي تزين شوارعها ليست جميعها دائمة؛ إذ اعتادت المدينة أن تستقبل فنانين من المغرب وخارجه لرسم جداريات جديدة، في تجربة تمنح المكان هوية متغيرة، وتفتح المجال أمام أجيال مختلفة من الفنانين لترك أثرهم على جدرانه.

 

 

وفي كل لوحة حكاية مختلفة؛ قد تكون أشكالًا هندسية تتقاطع بانسجام، أو ألوانًا تستحضر الطبيعة والبحر، أو تكوينات تجريدية تترك للزائر حرية التأويل. وبين جدارية وأخرى، تتجلى قدرة الفن على تغيير نظرة الإنسان إلى المكان، وتحويل تفاصيل تبدو عادية إلى مشاهد تستحق التأمل والتصوير.

 

ولعل أجمل ما في هذه التجربة أن الزائر لا يشاهد الفن من خلف حواجز، بل يمر بجواره، ويتوقف أمامه، ويكتشفه مصادفة عند زاوية شارع أو بجوار باب خشبي قديم. هنا يصبح الفن جزءًا من الحياة اليومية، لا امتيازًا حكرًا على صالات العرض.

 

ذاكرة المدينة مكتوبة بالألوان

 

لا تنفصل جداريات أصيلة عن تاريخ مدينتها العتيقة، بأسوارها التاريخية وأبوابها وأزقتها التي تحتفظ بملامح من ماضيها. فبين الحجر القديم واللون الحديث، تنشأ مفارقة جميلة تجمع بين أصالة المكان وجرأة التعبير الفني، وتؤكد أن الحفاظ على التراث لا يعني تجميده، بل منحه فرصًا جديدة للحياة.

كما أن هذه التجربة لم تقتصر على تجميل المشهد العمراني، بل ارتبطت بمشاركة الفنانين والشباب المحليين في صناعة الأعمال، وبفكرة جعل الثقافة وسيلة للتواصل والتعلم والانفتاح على تجارب إنسانية متنوعة. 

 

 

ومن هنا، اكتسبت الجدران قيمة تتجاوز جمالها الظاهر؛ فقد أصبحت شاهدًا على مشروع ثقافي استطاع أن يمنح مدينة مغربية صغيرة حضورًا دوليًا، وأن يجعل الفن لغة مشتركة بين أبناء المدينة وضيوفها من مختلف البلدان.

 

أصيلة.. حين يصبح الجمال هوية

 

في أصيلة، لا تتوقف الحكاية عند لوحة تنتهي أو لون يتلاشى بفعل الزمن؛ فكل جدار يحمل احتمالًا لبداية جديدة، وكل موسم يفتح نافذة أمام رؤية مختلفة، بينما تظل الفكرة الأساسية حاضرة: أن الثقافة قادرة على تغيير المكان، وأن الفن يستطيع أن يصنع للمدن ذاكرة لا تُقاس بعمر الحجارة وحده.

 

لهذا، فإن جدران أصيلة ليست مجرد خلفية جميلة لصور الزائرين، بل هي جزء من شخصية المدينة ورسالتها الثقافية. إنها حكاية بدأت بالألوان، واتسعت لتصبح تجربة في تجديد الفضاء العام، واحتضان الإبداع، وبناء جسور التواصل بين الثقافات.

 

وعندما يغادر الزائر أزقتها، قد لا يتذكر أسماء جميع الفنانين أو تفاصيل كل لوحة، لكنه يحمل معه صورة مدينة قررت أن تتحدث بلغة الفن، وأن تجعل من جدرانها المفتوحة رسالة تقول إن الجمال ليس زينة للمكان فحسب، بل قد يكون طريقًا لإعادة اكتشافه ومنحه حياة جديدة