كتب
ياسر هاشم
حين عبرت مصر.. ولم تتوقف
10:10 م - الخميس 8 أكتوبر 2026
هناك انتصارات تنتهي بانتهاء المعركة، وهناك انتصارات تتحول إلى طريقة حياة، وانتصار أكتوبر من النوع الثاني.
فبعد 53 عامًا، لم يعد السؤال فقط: كيف عبر الجيش المصري قناة السويس؟ وإنما: كيف استطاعت مصر أن تعبر إلى النصر، وكيف يمكن لنا أن نعبر نحن أيضًا من تحديات الحاضر إلى المستقبل؟
وهنا واحدة من أعظم رسائل أكتوبر: النتائج الكبيرة لا تولد في يوم واحد، وإنما يقف وراء كل إنجاز حقيقي عمل وتضحيات وانضباط وإصرار على الوصول إلى الهدف.
واليوم، تختلف التحديات عن عام 1973، لكن هناك معارك جديدة تحتاج إلى الروح ذاتها؛ معارك البناء والاقتصاد والعلم والتكنولوجيا والوعي، والحفاظ على الدولة ومقدراتها.
لقد أثبت أكتوبر أن القوة ليست في السلاح وحده، وإنما في الإنسان الذي يعرف هدفه، والمؤسسات التي تعرف كيف تخطط، والشعب الذي يعرف قيمة وطنه، والدولة التي تستطيع تحويل الإرادة إلى قدرة، والقدرة إلى إنجاز.
ولهذا، لا ينبغي أن تتحول ذكرى أكتوبر إلى مجرد صور واحتفالات نستعيدها كل عام، بل يجب أن نسأل أنفسنا: ماذا فعلنا بما تركه لنا جيل أكتوبر؟ لقد استعادوا الأرض، فماذا سنفعل نحن بالمستقبل؟ لقد واجهوا تحديات جسامًا، فهل نستطيع أن نواجه تحديات الحاضر؟ لقد امتلكوا هدفًا واضحًا، فهل نمتلك نحن أهدافًا واضحة لأبنائنا ووطننا؟
إن أخطر ما يمكن أن نفعله بأكتوبر أن نحوله إلى ذكرى نعيش عليها، وأجمل ما يمكن أن نفعله به أن نحوله إلى طاقة للعمل.
وهنا يصبح معنى أكتوبر أوسع من حدود المعركة؛ فقد أثبتت التجربة أن إرادة المصريين، حين تتوحد حول هدف، قادرة على حماية الأرض وصون الكرامة، وأن التضحيات لا تكون غايتها الانتصار في لحظة، وإنما تأمين مستقبل وطن كامل. لذلك تظل روح أكتوبر حاضرة في كل معركة تخوضها مصر من أجل البناء والتنمية وحماية مقدراتها؛ لأن الوطن الذي استطاع أن يستعيد أرضه بالإرادة والتضحية، يستطيع أن يصنع مستقبله بالعلم والعمل والإصرار.
فمصر التي عبرت تحدياتها في الماضي، تستطيع أن تعبر تحديات الحاضر وتواجهها، ومصر التي أعادت بناء قواتها بعد عام 1967، استطاعت في الجمهورية الجديدة أن تبني قدراتها وتصنع الكثير بالعلم والعمل والانضباط والثقة.
ومن هنا، فإن لكل جيل «أكتوبر» الخاص به. كان أكتوبر جيل الأمس تحرير الأرض واستعادة الكرامة، أما أكتوبر جيل اليوم فهو بناء الدولة، وتطوير التعليم، وامتلاك التكنولوجيا، وحماية الوعي، وصناعة مستقبل أفضل.
فالمعلم الذي يصنع عقلًا، والطبيب الذي ينقذ حياة، والمهندس الذي يبني، والعامل الذي يتقن عمله، والجندي الذي يحمي الحدود، والصحفي الذي يلتزم بالحقيقة؛ جميعهم يشاركون في معركة واحدة اسمها مصر.
وبعد 53 عامًا من النصر، ربما لا تكون أفضل طريقة لتكريم أبطال أكتوبر أن نتحدث عنهم فقط، بل أن نثبت أننا تعلمنا منهم معنى الانضباط والتضحية والصبر، وأن نجعل الوطن دائمًا في مقدمة حساباتنا.
رحم الله شهداء مصر الأبرار، وتحية لكل مقاتل حمل سلاحه دفاعًا عن ترابها، وتحية لكل مصري يؤدي واجبه في موقعه. أكتوبر ليس يومًا في التقويم.. أكتوبر حالة مصرية اسمها: لا مستحيل أمام وطن يعرف ماذا يريد.
وفي الذكرى الثالثة والخمسين للنصر، نقول لأبطال أكتوبر: أنتم لم تعبروا القناة فقط.. أنتم علمتمونا كيف نعبر المستحيل.
حفظ الله مصر، وحفظ جيشها وشعبها، ورحم شهداءها الأبرار.
تحيا مصر.



















