السوق العربية المشتركة | محمد رشدي: ماريني جعلت من النقد الفني بحثًا وذاكرة ووساطة ثقافية

استعاد الناقد الفني ومنظم المعارض والأستاذ بالمدرسة العليا للفنون البصرية محمد رشدي خلال ندوة احتضنتها فعالي

السوق العربية المشتركة

الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 - 02:13
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

محمد رشدي: ماريني جعلت من النقد الفني بحثًا وذاكرة ووساطة ثقافية

استعاد الناقد الفني ومنظم المعارض والأستاذ بالمدرسة العليا للفنون البصرية، محمد رشدي، خلال ندوة احتضنتها فعاليات منتدى أصيلة الثقافي الدولي، المسار الفكري والنقدي للفنانة والكاتبة والناقدة الإيطالية طوني ماريني، مسلطًا الضوء على حضورها المؤثر في المشهد التشكيلي المغربي منذ ستينيات القرن الماضي، ودورها في ترسيخ أسئلة الحداثة الفنية والنقد والتعامل مع التراث المحلي.



 

وأوضح رشدي أن حضور طوني ماريني في المدرسة العليا للفنون الجميلة بالدار البيضاء خلال ستينيات القرن الماضي شكّل محطة أساسية في مسار الفن المغربي الحديث، حيث عملت إلى جانب أسماء بارزة أسهمت في صياغة ملامح الحداثة التشكيلية المغربية، من بينها فريد بلكاهية ومحمد المليحي ومحمد شبعة.

 

وأشار إلى أن ماريني لم تكتفِ بالحضور داخل المؤسسة التعليمية، بل أسهمت من خلال التدريس النظري والعملي في التأثير على أجيال من الفنانين والمبدعين، تاركة أثرًا ممتدًا في التفكير البصري وفي تطور المشهد الفني المغربي.

 

حداثة لا تنفصل عن الذاكرة

وتوقف رشدي عند أحد الأسئلة المركزية التي رافقت تجربة ماريني في المغرب، والمتعلق بكيفية بناء حداثة فنية مغربية في مرحلة ما بعد الاستعمار، من دون أن تتحول هذه الحداثة إلى قطيعة مع التاريخ والتراث.

 

وأوضح أن ماريني دافعت عن تصور للحداثة لا يقوم على محاكاة النموذج الغربي، وإنما ينطلق من المرجعيات الثقافية والجمالية المحلية، مع الانفتاح في الوقت نفسه على التجارب والتيارات الفنية العالمية.

 

وفي هذا الإطار، أولت اهتمامًا خاصًا بالفنون الشعبية والحرف التقليدية والأشكال البصرية المتوارثة والثقافة البصرية المغربية، باعتبارها مكونات أساسية يمكن أن تشكل منطلقًا لبناء لغة فنية معاصرة.

 

وبحسب رشدي، فإن أهمية هذا التصور تكمن في أنه لم يضع التراث في مواجهة الحداثة، وإنما حاول أن يجعل منه أحد المصادر التي يمكن أن تستند إليها الحداثة المغربية، بما يسمح للفنان المغربي بتأسيس تجربته الخاصة بعيدًا عن التقليد والمحاكاة.

 

النقد الفني بوصفه بحثًا وذاكرة

وانتقل رشدي إلى تجربة ماريني في الكتابة النقدية، مؤكدًا أن نصوصها التي كتبتها خلال ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي تمثل اليوم مادة أساسية لفهم التحولات التي عرفها الفن المغربي.

 

وأوضح أن أهمية هذه الكتابات لا ترتبط فقط بالموضوعات التي تناولتها، وإنما كذلك بطريقة اشتغالها، التي اتسمت بالوضوح والدقة والصرامة في التوثيق، وهو ما جعلها جزءًا من الذاكرة النقدية للفن المغربي.

 

واستحضر رشدي نص ماريني الصادر عام 1997 بعنوان «من يخاف الفن؟ عناصر من أجل نقاش حول النقد في المغرب»، مشيرًا إلى أن ماريني قدمت من خلاله تصورًا لدور الناقد يتجاوز إصدار الأحكام والانطباعات الشخصية.

 

فالناقد، وفق الرؤية التي أبرزها رشدي، ينبغي أن يكون باحثًا ومؤرخًا ووسيطًا وناقلًا للمعرفة، قادرًا على قراءة العمل الفني في سياقه الثقافي والتاريخي، وعلى بناء جسور بين الفنان والجمهور وبين التجربة الفنية ومحيطها الفكري.

 

فكر لا يتوقف عند الماضي

وأكد رشدي أن من أبرز سمات شخصية ماريني الفكرية انفتاحها المستمر على التجارب الفنية الجديدة، وعدم اكتفائها بما راكمته من معرفة وخبرة خلال العقود السابقة.

 

وأشار إلى أنها ظلت تتابع النقاشات الجديدة حول الفن المعاصر، وتبدي اهتمامًا بالكتابات والتجارب التي ظهرت بعد مرحلة الستينيات والسبعينيات، مستشهدًا بتفاعلها مع مقال نشره رشدي في مجلة «لا غاليري» عام 2008.

 

واعتبر أن هذا الانفتاح يكشف عن فكر متحرك لا ينظر إلى المعرفة باعتبارها حقيقة مكتملة، بل يتعامل معها باعتبارها مسارًا دائمًا للبحث وإعادة التفكير.

 

وفي ختام مداخلته، خلص محمد رشدي إلى أن تجربة طوني ماريني في النقد الفني لم تكن مجرد ممارسة مهنية، وإنما شكلت التزامًا فكريًا ومشروعًا مستمرًا للبحث في الفن المغربي وتحولاته، وهو ما جعل كتاباتها مصدرًا مهمًا لفهم مرحلة تأسيسية من تاريخ الفن المغربي الحديث، وذاكرة نقدية لا تزال قادرة على إثارة الأسئلة حول علاقة الفن بالتراث والحداثة والمجتمع.