السوق العربية المشتركة | عرش القوقعة.. كيف تقتل الطبقية المؤسسية روح العمل؟

تبدأ حكاية أي إنسان مهني من نقطة تكاد تكون متشابهة طموح يتشكل وأوراق تبدأ رحلتها بين الملفات وأيام تقضى في

السوق العربية المشتركة

الأحد 13 سبتمبر 2026 - 02:35
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
عرش القوقعة.. كيف تقتل الطبقية المؤسسية روح العمل؟

عرش القوقعة.. كيف تقتل الطبقية المؤسسية روح العمل؟

تبدأ حكاية أي إنسان مهني من نقطة تكاد تكون متشابهة؛ طموح يتشكل، وأوراق تبدأ رحلتها بين الملفات، وأيام تُقضى في تعلم تفاصيل الصنعة، ومواقف تصنع الخبرة في قلب الميدان.



 

لكن شيئًا غريبًا يحدث أحيانًا عند أول درجة صعود حقيقية، كأن يعبر أحدهم جسرًا سحريًا، فينسى فجأة الضفة التي بدأ منها، ويتحول المنصب الإداري في نظر البعض من مسؤولية ثقيلة يجب أن يحملها صاحبها إلى ما يشبه صكًا للانفصال عن بساطة العمل الجماعي، فتبدأ إقامة حدود فاصلة بين البشر، لا وفقًا لمسؤولياتهم، وإنما وفقًا لأرقام المكاتب ومسميات الغرف والألقاب التي تسبق الأسماء.

 

هنا تحديدًا تولد الطبقية المؤسسية.

 

ليست المشكلة في أن تكون هناك مستويات إدارية مختلفة؛ فهذا أمر طبيعي وضروري في أي مؤسسة ناجحة، المشكلة تبدأ عندما تتحول المستويات الإدارية إلى طبقات اجتماعية داخل المؤسسة، وحين يصبح المنصب امتيازًا شخصيًا، بدل أن يكون تكليفًا ومسؤولية.

 

تتشكل عندها جدران غير مرئية، لكنها بالغة القسوة، مدير يحيط نفسه بأبراج من الإجراءات المعقدة، ومرشحات أمنية من المواعيد، وبريد إلكتروني مُهاب، وحواجز من السكرتاريات، كأنه يحمي قلعة محاصرة، لا يقود فريقًا يحتاج إلى التواصل والثقة وسرعة القرار.

 

وفي هذا العالم، لا يعود الوصول إلى المسؤول حقًا وظيفيًا تحكمه الحاجة، وإنما يصبح امتيازًا تحدده الطبقة الوظيفية، الحوار نفسه يصبح له "تصريح مرور"، والمبادرة تحتاج إلى أن تعبر عدة أبواب قبل أن تصل إلى صاحب القرار، بينما تختفي أفكار الموظفين تدريجيًا؛ ليس لأنها سيئة، وإنما لأن أصحابها أدركوا أن الطريق إلى أعلى المؤسسة أصبح أكثر صعوبة من الفكرة نفسها.

 

وهنا يظهر عرش القوقعة.

 

فالقوقعة في أصلها وسيلة للحماية، لكنها عندما تتحول إلى مكان إقامة دائم، تصبح سجنًا.

 

وحين يجلس المسؤول داخلها على كرسي السلطة، قد يتوهم أنه أصبح أكثر أهمية، بينما الحقيقة أنه أصبح أبعد عن الواقع.

 

عرش القوقعة هو أن تجلس في أعلى الهرم، لكنك لا ترى ما يحدث تحته، وهنا يجب التمييز بوضوح بين الهيكل التنظيمي والطبقية المؤسسية، فالهيكل التنظيمي هندسة إدارية ضرورية؛ يحدد الصلاحيات، وينظم المسؤوليات، ويرسم مسارات اتخاذ القرار والمساءلة، ويمنع الفوضى.

 

أما الطبقية المؤسسية فهي مرض إداري مختلف؛ تبدأ عندما تتحول هذه الهندسة من وسيلة لتنظيم العمل إلى أداة لعزل البشر عن بعضهم البعض.

عندما يصبح المدير أكبر من منصبه، وتصبح المسافة بينه وبين فريقه جزءًا من تعريف سلطته، تتحول الإدارة من قيادة إلى استعراض للسلطة، والنتيجة لا تحتاج إلى وقت طويل حتى تظهر.

 

القرار يتباطأ، والمبادرة تموت، والمواهب تصمت، والثقة تتآكل.

 

الموظف الذي يخشى أن يتحدث لن يقدم أفضل ما لديه.

 

والذي يشعر أن صوته أقل قيمة بسبب درجته الوظيفية لن يغامر بفكرة جديدة.

 

والذي يرى أن الأبواب مغلقة أمامه لن يظل طويلًا مؤمنًا بأن المؤسسة بيته المهني.

 

وهكذا تخسر المؤسسة شيئًا لا يظهر في الميزانيات بسهولة: روح العمل.

 

الكرامة الإنسانية في سوق العمل لا تخضع للتصنيف الوظيفي، والمسؤولية هي المعيار الحقيقي لثقل أي موقع.

 

بل إن القاعدة يجب أن تكون عكس ما يعتقده أصحاب عروش القوقعة:

 

كلما ارتفع الإنسان في سلم الإدارة، اتسعت مسؤوليته تجاه الآخرين، ولم تتسع المسافة بينهم وبينه.

 

المدير الأعلى ليس بالضرورة الشخص الذي يجب أن يراه الجميع من بعيد، وإنما الشخص الذي يجب أن يكون قادرًا على الوصول إلى الجميع عندما تستدعي المسؤولية ذلك.

 

فالمنصب لا يمنح صاحبه قيمة إنسانية إضافية، وإنما يضيف إليه مسؤولية جديدة.

 

والمؤسسات العظيمة لم تُبنَ يومًا على أكتاف طبقة من المديرين المنعزلين، وإنما شُيدت بأدوار مختلفة داخل فريق واحد، يعرف فيه كل فرد قيمة دوره وقيمة زميله، نعم، تتنوع المسؤوليات، نعم، تختلف الصلاحيات، ونعم، يجب أن تكون هناك درجات واضحة في اتخاذ القرار.

 

لكن قيمة الإنسان لا تتدرج مع السلم الوظيفي.

 

المؤسسة التي تحتاج إلى أن يخاف موظفوها من مدير لكي يعملوا، هي مؤسسة لم تنجح في بناء القيادة.

 

والمسؤول الذي يحتاج إلى عشرات الحواجز ليشعر بأهمية منصبه، ربما يحتاج إلى أن يسأل نفسه: هل أنا أحمي المؤسسة فعلًا، أم أحمي القوقعة التي بنيتها حول نفسي؟

 

فالكراسي لا تصنع عروشًا دائمة.

 

والألقاب لا تصنع قيادة.

 

والخوف قد يصنع طاعة مؤقتة، لكنه لا يصنع ولاءً.

 

أما عرش القوقعة، فقد يمنح صاحبه شعورًا مؤقتًا بأنه فوق الجميع، لكنه في الحقيقة يضعه بعيدًا عن أهم شيء يحتاجه أي قائد: أن يرى، وأن يسمع، وأن يفهم ما يحدث خارج القوقعة.

 

لأن المؤسسة الحية لا تحتاج إلى عروش، لكنها تحتاج إلى قيادة.