السوق العربية المشتركة | رسالة من أب إلى أبنائه

يا أبنائي.. إذا قرأتم رسالتي يوما فلا تبحثوا بين سطورها عن بلاغة الكلمات بل ابحثوا عن نبض قلب أحبكم أكثر مم

السوق العربية المشتركة

الأحد 5 يوليه 2026 - 16:19
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
رسالة من أب إلى أبنائه

رسالة من أب إلى أبنائه

يا أبنائي.. إذا قرأتم رسالتي يومًا، فلا تبحثوا بين سطورها عن بلاغة الكلمات، بل ابحثوا عن نبض قلب أحبكم أكثر مما أحب نفسه. أنا لم أطلب منكم يومًا أن تردوا لي جميلًا، لأن الأب لا ينتظر المقابل. كنت أفرح وأنا أراكم تكبرون، وأشعر أن تعبي كله يذوب أمام ابتسامة واحدة منكم. وكم تحملت كثيرا من أجلكم عندما كنت أخرج كل صباح لأعمل، لم أكن أبحث عن المال لنفسي، بل كنت أبحث عن مستقبلٍ يحميكم، وعن حياةٍ لا تعرفون فيها ما عرفته أنا.  كنت أعود متعبًا، لكنني كنت أخفي تعبي حتى لا أزيد همومكم. ربما قسوت عليكم أحيانًا... لكن قسوتي كانت خوفًا عليكم، لا قسوةً منكم. وربما منعتكم من أشياء أردتموها، لأنني كنت أرى ما لا ترونه، وأخاف عليكم مما لا تعرفونه. واليوم... لم أعد أريد منكم هديةً ثمينة، ولا مالًا، ولا مظاهر إهتمام. أريد أن تجلسوا بجواري قليلًا... أن تسألوني: كيف حالك يا أبي؟ أن تمسكوا بيدي كما أمسكت بأيديكم وأنتم تخطون أولى خطواتكم. أشعر بحبكم وحنانكم وارتوى من زرعتكم التى زرعتها بحب وحنان. أريد أن أشعر أنني ما زلت أسكن قلوبكم، لا مجرد اسمٍ في بطاقة الهوية أو رقمٍ في هاتفكم. يا أبنائي... وإذا رأيتم خطواتي قد أصبحت بطيئة، فتذكروا أنني كنت أجري عندما كنتم تنادونني. وإذا نسيت كلمة، أو كررت حديثًا، فلا تضجروا مني... فقد تحملت مئات أسئلتكم وأنتم صغار، وأجبت عنها في كل مرة وكأنها الأولى. لا تؤجلوا برّكم... فالعمر لا ينتظر أحدًا. قد يأتي يوم تعودون فيه إلى البيت، فلا تجدون الأب الذي كان ينتظركم، ولا الصوت الذي كان يدعو لكم، ولا اليد التي كانت تربت على أكتافكم. حينها ستبكون... ولكن البكاء لن يفتح بابًا أغلقه الموت. وستقولون: "ليتنا جلسنا معه أكثر... ليتنا قبّلنا رأسه... ليتنا أسعدناه كما أسعدنا." لكن كلمة "ليت" لا تعيد الغائبين. فإن كنت ما زلت بينكم اليوم، فلا تحرموني من محبتكم، ولا تجعلوا انشغال الدنيا يسرق أعمارنا معًا. أنا لا أخاف على نفسي من كِبَر السن... بل أخاف أن أكبر بعيدًا عن قلوبكم. واعلموا أن أعظم نجاح تحرزونه في حياتكم لن يساوي عندي لحظة أشعر فيها أنكم ما زلتم تفتخرون بأنني أبوكم. أحبوا آباءكم قبل أن يصبحوا ذكريات... وقبّلوا أيديهم قبل أن تتمنوا لمسها فلا تستطيعوا... فالأب إذا رحل... لا يترك فراغًا في البيت فقط، بل يترك فراغًا في القلب، لا يملؤه أحد، مهما امتد العمر. .."ستقرأ هذه الكلمات يومًا... وستتمنى لو أن أباك هو من أرسلها إليك، لا أن تقرأها بعد أن أصبح تحت التراب." الأب هو الجبل الذي تستند إليه الأسرة، فإذا مال الجبل اهتزت الحياة كلها ليضيف إلى أعمار أبنائه أملاً، ويحرم نفسه من كثير من متاع الدنيا ليمنحهم حياةً كريمة ومستقبلًا مشرقًا. ليس الأب رجلاً يجلس على رأس المائدة، بل هو من صنع المائدة. وليس صاحب البيت، بل هو من بنى البيت حجرًا فوق حجر، وعرقًا فوق عرق، ودعاءً فوق دعاء.  كم من أبٍ ارتدى ثوبًا قديمًا ليشتري لابنه ثوبًا جديدًا! وكم من أبٍ تنازل عن أحلامه ليصنع مستقبل أبنائه! وكم من أبٍ عاد إلى بيته منهكًا، لكنه أخفى تعبه حتى لا يحمل أولاده همًا فوق همومهم! ثم... يكبر الأبناء. وينشغل كل واحدٍ بحياته، وتصبح مكالمة هاتف ثقيلة، وزيارة الأب مؤجلة، والجلوس معه دقائق معدودة. ويجلس الأب على مقعده، يراقب الباب كلما سمع صوتًا، لعل ابنه جاء، أو لعل هاتفه رن، أو لعل حفيده طرق الباب. أيها الأبناء... إن أباكم لا يريد منكم مالًا، ولا قصرًا، ولا هديةً باهظة. إنه يريد أن يشعر أنه ما زال يسكن قلوبكم، وأن تعب السنين لم يذهب هباءً. يريد كلمة: "كيف حالك يا أبي؟" يريد قبلةً على رأسه، ويريد حنانا.. ويدًا تمسك بيده، ووقتًا يشعر فيه أنه لم يصبح غريبًا في حياة من أفنى عمره من أجلهم. تذكروا دائمًا أن الأب إذا رحل، رحلت معه كل شئ سيأتي يومٌ تقفون فيه أمام قبر أبيكم، تتمنون دقيقةً واحدةً تعود فيها  الأيام لتسمعوا صوت  أبيكم وتشعرون بحنانه ولكن ازف الرحيل.