من الأعماق ... الحديد يَفُلُّ الحديد!!
«لا يَفُلُّ الحديدَ إلاّ الحديدُ»، هذا المثل العربى لم يفارق مخيلتى وأنا أتابع حالة الخنوع والاستكانة والأدب الجم التى فاجأنا بها الرئيس الامريكى دونالد ترامب خلال زيارته للصين، عكس حالة الغرور والتعالى والسخرية بل والبلطجة السياسية التى تعامل بها مع معظم الرؤساء والقادة الذين التقاهم!! «لغة القوة» كانت حاضرة فى قمة ترامب وشى جين بينج فجاءت القمة مختلفة. فالرجل الذى اعتاد الاستعراض والضغط وإهانة حلفائه وخصومه، وجد نفسه هذه المرة فى حضرة دولة عظمى لا تُدار بالانفعالات ولا ترهبها العقوبات. فى بكين اختفت حركاته اللوذعية وابتساماته الساخرة، وتراجعت لغة الأوامر، لأن الطاولة هذه المرة لا يجلس عليها حلفاء ضعفاء أو قادة يبحثون عن رضا واشنطن، بل يجلس عليها تنين يعرف أن أمريكا لم تعد اللاعب الوحيد فى العالم. ترامب الذى ظهر متعاليًا وتعامل بفوقية مع الرئيس الفرنسى ماكرون ومع تشارلز ملك بريطانيا ودخل فى مشادات عنيفة مع الرئيس الاوكرانى زيلينسكي، بدا أكثر حذرًا وانضباطًا أمام الرئيس الصينى. فهو يعلم ان اللقاء مع بكين مواجهة بين قطبين يعرف كلٌ منهما حجم الآخر جيدًا. ولهذا لم يكن أمامه سوى التحدث بلغة المصالح لا لغة التوبيخ، وبمنطق الندية لا الاستعلاء. الرئيس الصينى شى بينج ذبح القطة لترامب مقدمًا ورد المعاملة بالمثل ورفض الذهاب الى المطار لاستقباله طبقًا للبروتوكول، كان قويًا عندما حذر ترامب من خطر التعامل مع قضية تايوان بشكل خاطئ. كان حازمًا عندما دعا ترامب لتجنب «فخ ثيوسيديدس» ذلك المؤرخ اليونانى الذى حذر من خطر اندلاع صراع بين قوة صاعدة وأخرى مهيمنة. من شاهد ترامب وهو يوبخ زعماء وقادة ويقارن سلوكياته الوقحة بسلوكه فى ضيافة شى جين بينج، يجده تحول الى النقيض، حيث سار طويلًا على البساط الأحمر ملتزمًا بخطوات الزعيم الصينى كضيف فى حضرة مضيف قوى. الزعيم الصينى تعمد بمكر تذكير ترامب والامريكان بعمر كلا البلدين، حين قال إن الزيارة امتداد لحضارة الصين الممتدة لآلاف السنين، وكذلك مرور 250 سنة على استقلال أمريكا!! قمة بكين أكدت أن عالم القطب الواحد تآكل، وأن زمن الإملاءات المطلقة ولّى الى غير رجعة. الخلاصة أن الأسد الامريكى فقد مخالبه أمام التنين الزاحف.. وما حدث فى بكين كان بمثابة إعادة ضبط المصنع لكوكب الأرض!!














