السوق العربية المشتركة | حكاية ريادة لا تنتهي...جامعة القرويين كتبت اسم المغرب في سجل الخلود العلمي

من قلب فاس العتيقة حيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الحاضر انطلقت شرارة العلم التي أضاءت العالم قبل أن يعرف معنى

السوق العربية المشتركة

الجمعة 16 يناير 2026 - 15:20
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري

حكاية ريادة لا تنتهي...جامعة القرويين كتبت اسم المغرب في سجل الخلود العلمي

من قلب فاس العتيقة، حيث تختلط رائحة التاريخ بنبض الحاضر، انطلقت شرارة العلم التي أضاءت العالم قبل أن يعرف معنى الجامعات الحديثة. هناك، وُلدت جامعة القرويين، لا كمجرد صرح تعليمي، بل كقوة معرفية صنعت العقول وغيّرت مسار الفكر الإنساني عبر أكثر من ألف عام. جامعة لم تُبنَ بالحجر فقط، بل شُيّدت بالإيمان بالعلم، فكانت منارة لا تنطفئ، وشاهداً حياً على ريادة المغرب في صناعة الحضارة ونشر المعرفة إلى مشارق الأرض ومغاربها



تُعد جامعة القرويين بالمغرب واحدة من أعظم الشواهد الحية على ريادة الحضارة الإسلامية في مجال العلم والمعرفة، فهي ليست مجرد مؤسسة تعليمية عريقة، بل رمز تاريخي وثقافي عالمي ارتبط اسمه بمدينة فاس التي تحولت بفضلها إلى عاصمة للعلم والفكر لقرون طويلة. تأسست جامعة القرويين في منتصف القرن التاسع الميلادي على يد السيدة فاطمة بنت محمد الفهري، في سابقة تاريخية تعكس الدور الريادي للمرأة في بناء الحضارة، حيث وضعت لبنة صرح علمي استمر عطاؤه دون انقطاع حتى يومنا هذا. بدأت القرويين كجامع للعبادة والعلم، قبل أن تتطور تدريجياً إلى جامعة متكاملة تستقطب طلاب العلم من مختلف أنحاء المغرب والأندلس وإفريقيا وأوروبا، واحتضنت حلقات الدرس التي كانت تُقام في أروقتها، حيث يجلس العلماء والطلبة في مشهد علمي فريد يجسد روح المعرفة الحرة القائمة على الحوار والنقاش. وقد اشتهرت الجامعة بتدريس العلوم الشرعية وعلى رأسها الفقه المالكي، إلى جانب علوم اللغة العربية والتفسير والحديث، كما عرفت تدريس الطب والفلك والرياضيات والمنطق، ما جعلها جامعة شاملة بمعايير عصرها. ولم يكن تأثير جامعة القرويين محصوراً في العالم الإسلامي فقط، بل امتد إلى أوروبا خلال العصور الوسطى، حيث أسهمت في نقل العلوم والمعارف وأسست لجسور فكرية بين الحضارات، فكانت منبعاً للتأثير العلمي والثقافي الذي ساهم في النهضة الأوروبية. كما لعبت دوراً محورياً في تخريج علماء وقضاة ومفكرين كان لهم أثر بالغ في مجتمعاتهم، مما جعلها مرجعاً علمياً مرموقاً ومقصداً للباحثين عن المعرفة. ويحمل الفضاء المعماري لجامعة القرويين قيمة حضارية لا تقل عن قيمتها العلمية، إذ يجسد روعة العمارة المغربية الإسلامية بزخارفها الدقيقة وأقواسها المتناسقة وصحنها الواسع الذي يعكس عراقة المكان وروحانيته، إلى جانب مكتبتها التاريخية التي تُعد من أقدم المكتبات في العالم وتضم كنوزاً من المخطوطات النادرة التي تمثل ذاكرة علمية وإنسانية لا تقدر بثمن. ومع دخول العصر الحديث، واصلت جامعة القرويين أداء رسالتها العلمية بعد إدماجها ضمن منظومة التعليم العالي بالمغرب، محافظة على خصوصيتها وهويتها، ومواكبة لمتطلبات العصر دون التفريط في إرثها العريق. واليوم تظل القرويين شاهداً حياً .