السوق العربية المشتركة | الأب.. الغائب الحاضر 

لا يعرف الأبناء قيمة أبيهم إلا وهم يحملونه فى النعش على الاعناق وحين يدفنوه تحت التراب.حينها يبكون ويتذكرون شر

السوق العربية المشتركة

الجمعة 7 أغسطس 2026 - 00:05
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
نائب رئيس مجلس الإدارة
م. حاتم الجوهري
الأب.. الغائب الحاضر 

الأب.. الغائب الحاضر 

لا يعرف الأبناء قيمة أبيهم إلا وهم يحملونه فى النعش على الاعناق وحين يدفنوه تحت التراب.



حينها يبكون ويتذكرون شريط يمر أمام أعينهم بأحداث الماضى وكل دقيقه مرت وهم مع أبيهم.

يرحل الأب، ويظن الأبناء أن كل شيء قد انتهى، لكن الحقيقة أن رحيله يكون بداية رحلة مختلفة؛ رحلة يكتشفون فيها من كان هذا الرجل حقًا. 

ففي حياته، كانوا يرونه أبًا يأمر وينهى، يخرج صباحًا ويعود مساءً، يحمل على كتفيه مسؤوليات البيت، ويبدو لهم أن ما يفعله أمر عادي. لكن بعد وفاته، تتكشف لهم التفاصيل التي لم يكونوا ينتبهون إليها.

بعد رحيل الأب، يصبح كرسيه الفارغ رسالة، وصوته الذي غاب ذكرى، ووجوده الذي كان يملأ البيت نعمة لا تُقدَّر بثمن. يدرك الأبناء أن اليد التي كانت تمتد إليهم بالعطاء لم تكن تعرف التعب، وأن القلب الذي كان يخفي همومه كان يفعل ذلك حتى لا يحملهم فوق طاقتهم.

يعرف الأبناء قيمة أبيهم عندما يقفون في مواجهة الحياة وحدهم، فيكتشفون أن القرارات التي كان يتخذها لم تكن سهلة، وأن الضغوط التي كان يتحملها كانت أكبر مما كانوا يتخيلون. يدركون أن كلمة "اطمئنوا" التي كان يرددها لم تكن تعني أن الأمور سهلة، بل تعني أنه كان يحمل عنهم الخوف كله.

بعد وفاته، يسمعون الناس يذكرون مواقفه الطيبة، وشهامته، وكرمه، وصدق كلمته، فيتعرفون على جانب آخر من شخصيته لم يكن يظهر داخل جدران المنزل. ويشعرون بالفخر لأنهم أبناء رجل ترك أثرًا جميلًا في قلوب الآخرين.

كم هو مؤلم أن يعرف الإنسان قيمة والده بعد أن يصبح العناق مستحيلًا، والاعتذار متأخرًا.

 فالأب لا يعوضه أحد، ولا يملأ مكانه مال ولا جاه ولا بشر.

رحم الله كل أبٍ غادر الدنيا، وترك خلفه أبناءً يتعلمون كل يوم درسًا جديدًا عن عظمته. وطوبى لمن أحسن إلى أبيه في حياته، ويبقى الأب، وإن غاب جسده، حاضرًا في الضمير، وفي الدعوات، وفي كل نجاح صنعه بتعبه، وفي كل خلقٍ حسنٍ غرسه في أبنائه. فالأب لا يموت في قلوب أبنائه الصالحين، بل يعيش ما بقيت ذكراه الطيبة، وما بقيت الألسنة تلهج بالدعاء له: اللهم اغفر لآبائنا وارحمهم.

 

حين يموت الأب يبدأ الأبناء في قراءته من جديد، لا يعرف الأبناء حقيقة أبيهم وهو بينهم، لأن وجوده كان يشبه الهواء… لا يُرى، لكنه كان يحمل الحياة كلها. كانوا يرونه رجلًا عاديًا، يخرج كل صباح، ويعود آخر النهار، يحمل على كتفيه همومًا لا يتحدث عنها، ويبتسم رغم أن قلبه مثقل بما لا يطيق.

ثم يرحل.. وفجأة يصبح البيت واسعًا إلى حد الوحشة، ويصبح الكرسي الذي كان يجلس عليه أكبر من أن يملأه أحد، ويصبح الصمت الذي تركه أثقل من كل الكلمات.

بعد موته، يبدأ الأبناء في اكتشاف أبيهم. يعرفونه من دموع أمهم التي كانت تخفيها وهو حي، ومن دعوات الفقراء الذين كان يعينهم في صمت، ومن كلمات الناس: "كان رجلًا لا يُعوَّض".

  بعد رحيل الأب، لا يشتاق الأبناء إلى المال الذي كان ينفقه، بل إلى الأمان الذي كان يمنحه، إلى ظله الذي كان يقيهم، إلى تلك النظرة التي كانت تقول دون كلام: "مهما حدث… أنا هنا".

يرحل الأب، لكنه يترك خلفه فراغًا لا يملؤه أحد. تمر السنوات، ويكبر الأبناء، ويحققون النجاح، لكنهم في كل إنجاز يلتفتون غريزيًا ليبحثوا عن أول من كان سيفرح بهم… فلا يجدون إلا صورة، أو قبرًا.

إن الأب لا يموت يوم يُدفن… بل يموت كل يوم في قلب ابنه حين يحتاج أن يستند إليه فلا يجده، وحين يفرح فيتمنى أن يسمع صوته، وحين يبكي فلا يجد اليد التي كانت تمسح دموعه.

اللهم ارحم آباءنا الأحياء منهم والأموات، واغفر لمن سبقونا إليك، واجعل قبورهم نورًا وراحةً وسلامًا، ولا تحرمنا برهم بالدعاء ما حيينا.