السوق العربية المشتركة | الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان

لابد أنك عزيزي القارئ قد لاحظت يوما أثناء تصفحك لبعض المواقع الإلكترونية أو استخدامك لبعض تطبيقات هاتفك المعت

السوق العربية المشتركة

السبت 16 يناير 2021 - 16:17
رئيس مجلس الإدارة
أمانى الموجى
رئيس التحرير
ياسر هاشم
الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان

الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان

لابد أنك عزيزي القارئ قد لاحظت يومًا أثناء تصفحك لبعض المواقع الإلكترونية أو استخدامك لبعض تطبيقات هاتفك المعتادة وجود ترشيحات لك بصداقة شخص معين تعرفت عليه للتو، وربما سجلت رقم هاتفه المحمول لديك؟! أو سبق وظهر أمامك إعلانات لأماكن معينة كُنْتَ تُخطِّط لزيارتها بالفعل؟!  فالأمر أصبح معتادًا بل من العلم العام. إن مثل هذه التأثيرات الملموسة المتسمة بخاصيتي السرعة والكفاءة تمثل أحد نتائج وآثار تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، ولكنها في الوقت ذاته تؤثر على حياتنا الخاصة. لقد أثرت التكنولوجيا على كل أمور حياتنا، ولم يسلم من ذلك شيء حتى ذكاء الإنسان؛ فقد أصبح يُنافسه ما عُرف بـ "الذكاء الاصطناعي Artificial Intelligence (AI) "، وأمسى متصورًا السعي لمحاكاة العقل البشري! وبعدما اخترق هذا الذكاء حياتنا ازداد ميله للتدخل في حقوق الإنسان، ونتج عن ذلك جملة نتائج في مقدمتها وجود أخطار التدخل بتقرير مصير الأفراد. وظهرت بالتبعية تساؤلات لم نعهدها.. من ذلك هل يمكن للآلات أن تُفكِّر مثل البشر؟! وكيف يمكن للدول وللشركات وللمجتمع المدني ضمان تعزيز احترام تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي لحقوق الإنسان عوضًا عن تقويضها وتعريضها للخطر؟



ورغم أنه لم يُستقَرَّ –حتى لحظة كتابة هذه السطور- على تعريف واحدٍ بعينه للمراد بـ "الذكاء الاصطناعي"، فقد عرَّفه أحد العلماء المؤسسين وهو الأمريكي مارفن مينسكي بأنه: "العلم الذي بمقتضاه تتمكَّن الآلات من القيام بالأمور التي تتطلَّب ذكاءً إذا قام بها الإنسان"، وعرَّفه معهد الذكاء الاصطناعي الآن (AI NOW) التابع لجامعة نيويورك بأنه: "مجموعة من العمليات التكنولوجية التي تُمكِّن الحواسيب من أن تُكمل أو تحلَّ محل المهام المحددة التي بخلاف ذلك يؤديها البشر؛ كاتخاذ القرارات وحل المشاكل". وإجمالاً للتعريفات المتنوعة؛ فقد أصبح الذكاء محلًّا للصناعة من قِبَل البشر أنفسهم، والذين يمنحوه بدورهم لأجهزة ذكيَّة مُبرمجة كي تقوم هي الأخرى بالتفكير بل بالتفكير الذكي كحال البشر! حتى أضحت هناك "صناعة للذكاء" وهي ما ولَّدتْ "الذكاء الاصطناعي".  وكأن البشرية قد سعت -بذكائها أو ربما بشيء آخر- بنفسها لتُوجِد من يُزايد على ذكائها هي نفسها من غير بني البشر!! ويبقى من الانصاف في هذا المقام التأكيد على أن استخدام معطيات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تجاه حقوق الإنسان تشكل سلاح ذو حدين؛ فثمة فارق بين آليات استخدام الذكاء الاصطناعي المفيد ونظيره الضار؛ فلهذا وذاك أمثلته المتعددة والمتنوعة. وعودة للتساؤل الذي افتتح به المقام هل يُمكِن لأجهزة الحاسب الآلي محاكاة العقل البشري من ناحية قدرته على التفكير؟ فقد أجاب عنه البعض -وبمنتهى الوضوح– أن أجهزة الحاسوب لا يُمكِنها محاكاة عملية التفكير البشري؛ وذكروا الدليل على ذلك بما جرى مع الروسي جاري كاسبوروف بطل العالم في الشطرنج، الذي هزم برنامج الحاسوب الخاص بلعب الشطرنج "Deep Thought"، وهو ما يحمل في باطنه التأكيد -آنذاك- على أن أجهزة الحاسوب الحالية لا يمكنها منافسة العقل البشري المُدرَب.  لكن الغريب هو أنه لم يكن لمعركة طرفاها عقل بشري وبرنامج كمبيوتر أن تنتهي عند الحدِّ السابق، فعلى الرغم من تمكُّن بطل العالم في الشطرنج "كاسباروف" في الجولة الأولى من الفوز على برنامج Deep Blue ، الذي ابتكرته شركة IBM خصيصًا بغرض تحدي ذكاء هذا البطل كي يلعب معه هذه اللعبة، إلَّا أنَّ المبرمجين قد واصلوا جهودهم لرفع قدرات برنامج الحاسب الآلي المذكور؛ ففي عام 1997م سعَوْا إلى إدخال مزيدٍ من التحسينات على البرنامج. وبالفعل بعد ثلاث جولات من التعادل بين بطل العالم في الشطرنج وهذا البرنامج، تمكَّن الأخير من الفوز على كاسباروف وهزيمة بطل العالم في الشطرنج! بعدما فشل في ذلك أمثاله من أبطال العالم في الشطرنج من بني البشر لسنواتٍ! إذ أدَّتْ التعديلات التي قام بها المبرمجون على برنامج الحاسوب لفوز الأخير بالبطولة، وهزيمة كاسبوروف!! والنتيجة هي فوز برنامج حاسب آلي يعمل وفقًا تقنيات الذكاء الاصطناعي ببطولة الشطرنج وفوزه على بطل العالم. ورَغم هذا الوضع غير المسبوق، والذي يمكن اعتباره من أعظم التطورات التي حدثت في هذا المجال، إلَّا أنَّ هذا لم يمنع بعض العلماء من استمرار التصريح بأنه: "لا توجد أجهزة حاسوب بإمكانها أن تُظهِر الذكاء الاصطناعي بشكل كامل؛ على النحو الذي يُدلِّل على قدرتها على محاكاة السلوك البشري".  وأيًا ما كان التوجه فالتأكيد لازم على تصور عَوزُ بلادنا العربية وواقعنا العملي لأنظمة الذكاء الاصطناعي؛ فالتطور هو سنة الله في كونه، ولكنه شأن مشروط بإجازة التشريعات له وتفعيل الدور الرقابي؛ فالحنكة تقتضي سعي الجهات المختصة للاستفادة من إمكانيات هذه الأنظمة وعدم رفضها في المطلق كي لا تُصبِح ملاذًا آمنًا لانتهاك حقوق الإنسان طالما اعتُرف بمخاطرها؛ إذ أن تحقيق الموازنة المنطقيَّة البناءة بين خوض غمار الذكاء الاصطناعي وحماية حقوق الإنسان يتطلَّب من الحكومات والشركات مزيدًا من السعي بغرض اتخاذ التدابير الملموسة لضمان احترام حقوق الإنسان في ظل تعاظم قوة دور تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي، يوازيه عدم جواز التذرع بحماية الحقوق الفكرية لأنظمة الذكاء الاصطناعي كمدعاة للإفلات من الرقابة عليها وتحقيق الشفافية المطلوبة. وأخيرًا نُشدد على ضرورة صياغة عهد جديد لحقوق الإنسان بمرجعيات دولية تتصدى للتحديات الخطيرة التي يُنبِئ المستقبل القريب بتعرض حقوق الإنسان لها، عوضًا عن محاولات التطويع لنصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، والعهد الدولي لحقوق الإنسان، أو غيرهما، أو على الأقل تقدير ضبط النصوص الحالية لتصبح أكثر مواءمة.