تابعونا عبر شبكات التواصل الإجتماعى

الضرائب على التوزيعات تفقد البورصة المصرية جاذبيتها الاستثمارية

محسن عادل

10-03-2013

تثار على فترات منذ عامين تقريبا مقترحات بخصوص مقترحات لفرض ضريبة على توزيعات أرباح الشركات رغم الرفض المستمر لمجتمع الاعمال لمثل هذه الضريبة التى يشوبها عوار.

فى السنوات الأخيرة تضاءلت عدة صفات فى المجتمع المصرى من الناحية الاقتصادية أدت إلى اضمحلال الطبقة المتوسطة وتمركز الثروات فى بضعة أيادٍ دون أن يكون لتلك الأيادى إضافة ملحوظة للمجتمع المصرى أو للاقتصاد القومي.. حيث اعتمدت الحكومات المصرية المتلاحقة على الموارد السيادية بنسبة كبيرة لتمويل الموازنة العامة وخطط التنمية، فيما تضاءل عائد الاستثمار الحكومى أو القومي. هذا التضاؤل فى الاستثمار وتعظيم عائده على الأجل الطويل أدى إلى عدم قدرة الدولة النهوض بسرعة بالخدمات والخطط التنموية المطلوبة.

لذلك فالامر يستلزم الان ضرورة النظر للحفاظ على معدلات الجاذبية الاستثمارية المتاحة لدى قطاعات الاستثمار فى الدولة وعلى رأسها "البورصة المصرية" التى نجحت خلال الاعوام الماضية فى ادارة استثمارات 1.7 مليون مستثمر (اغلبهم من الافراد المصريين) بحجم تعاملات سنوى بلغ نحو 004 مليار جنيه وبرأسمال سوقى يمثل نحو 03% من حجم الناتج المحلى الاجمالى فى مصر.

ان العدالة الضريبية بمعناها الواسع هى توزيع العبء الضريبى على الأفراد والمشروعات توزيعًا عادلاً، وتتدخل فى هذا المجال عدّة اعتبارات؛ إذ يجب، مثلاً، التمييز بين دافع الضريبة ومن يتحمل عبئها فعلاً، فهما ليسا بالضرورة شخصًا واحدًا وإذا كانت المساواة المطلقة مستحيلة؛ فإن مبدأ العدالة يصاغ بحيث يتضمن شقين، الأول: أن الأشخاص المتساوين يجب أن يعاملوا معاملة واحدة؛ فالأشخاص ذوو المقدرة التكليفية ذاتها يجب أن يتحملوا العبء الضريبى ذاته. أما الشق الثانى فهو يعنى أن الأشخاص الذين تتساوى قدرتهم التكليفية لكن ظروفهم مختلفة، والأشخاص الذين تختلف قدراتهم، يجب ألا يتحملوا العبء الضريبى ذاته. ولهذا تُعَدّ فروق الدخل ومقدار الثروة ومستوى الإنفاق أدلة على اختلاف المقدرة على الدفع.

والمقدرة على الدفع هى القدرة النقدية، أى القوة الشرائية الضرورية للوفاء بالالتزام الضريبي؛ فهى تتخذ معنى التضحية الشخصية بالمنفعة (أى الإشباع) معيارًا للعدالة الضريبية؛ لأن المموِّل يُحرَم من الاستخدامات البديلة للمبلغ الذى دفعه كضريبة. وبمعنى آخر فإن المقدرة التكليفية للشخص، ومن ثم قدرته على الدفع، تزداد كلما كان دخله مرتفعًا.

لذلك يجب هنا ملاحظة عدة نقاط اساسية اهمها:

اولا: أن قانون الضريبة على الدخل الحالى يعفى الأرباح الناتجة عن التوزيعات، منعا للازدواج الضريبى حيث سبق تحصيل الضريبة عليها قبل التوزيع بالفعل وهو الامر الذى يتنافى مع اى مقترح يخالف ذلك حيث يخضعه لشبهة الازدواج الضريبى والطعن عليه وعلى آثاره.

ثانيا: أن القيمة الحالية للوفورات الضريبية تكون أقل فى حالة خضوع المستثمر للضريبة على الدخل، ذلك أن حملة الأسهم يفضلون عدم الحصول على التوزيعات فى حالة خضوعها لضرائب مرتفعة على الدخل، بالتالى لا يفضلون اعادة استثمارها بالبورصة ما يؤدى إلى انخفاض الوفورات التى كانت تتولد بالسوق وتؤدى فى النهاية للحفاظ على استقراره وبقاء دوره كمصدر تمويل اساسى للاستثمار فى مصر.

ثالثا: أن مثل هذا المقترح يضعف من تنافسية البورصة المصرية خاصة أن الاسواق الناشئة المماثلة وأسواق منطقة الشرق الاوسط والمنطقة العربية لا تقوم بفرض اى ضرائب على التوزيعات لهذا فان اى مقترح يخص فرض ضريبة على التوزيعات سيؤدى لهروب الاسثمارات من سوق المال المصرية بما يضر جذريا بحجم الاستثمارات الخارجية والداخلية المستهدفة.

رابعا: أن فرض تلك الضريبة سيؤدى بالضرورة إلي حدوث ظاهرة "التخلص من عبء الضريبة" لدى المستثمرين حيث تمثل الضريبة على التوزيعات عبئا على المكلف بها، يدفعه إلى محاولة التخلص منها إما بنقل عبئها إلى شخص آخر أو التخلص من عبئها بصورة جزئية أو كلية.

والذى يدفع المستثمر إلى محاولة التخلص من عبئها هو عدم وجود مقابل خاص يعود عليه مباشرة منها، كما أن إحساسه بثقل عبئها بصورة خاصة تجعله يسعى بكل الطرق إلى محاولة التخلص منها، وهو ما سيمثل بالفعل ضغوطا بيعية قوية على الاسهم المصرية فى فترة التوزيعات فى وقت يعانى فيه السوق من عدة مشكلات هيكلية (ضعف الجاذبية الاستثمارية/ عدم الاستقرار/ نقص السيولة/ تخارج الاجانب/ ضعف الاستثمار المؤسسى) وهو امر قد يؤدى إلى الإخلال بمبدأ العدالة فى توزيع الأعباء العامة للمستثمرين.

ان أثر فرض اى ضريبة على التوزيعات على الاستثمار يعتمد على مدى الزيادة التى تحدث من فرض الضريبة على الاستثمار العام بسوق الاوراق المالية، فالضريبة لن تؤدى إلي زيادة الطلب العام وبالتالى تعويض النقص فى الاستثمار الخاص نتيجة لفرض الضريبة بينما يؤدى عدم فرضها إلى الحفاظ على مستويات الاسثمارات الحالية على اقل تقدير.

خامسا: يلاحظ أيضا أثر الضرائب على التوزيعات على صغار المستثمرين الذين يعدون القطاع الاكبر فى البورصة المصرية فإن فرض هذه الضريبة على ذوى الدخول المنخفضة للأفراد محدودى الدخل يقلل من مقدرتهم على الاستهلاك وعلى الإنتاج وهو ما يؤدى إلى انخفاض مستوى الدخل القومى وبالتالى يؤدى ذلك إلى انخفاض ونقص فى الإيرادات العامة للدولة.

سادسا: نظرا لما تنطوى عليه الضريبة من استقطاب جانب من دخول الأفراد فإنها تؤدى إلى تخفيض الادخار والاستثمار بالتبعية. وما من شك أن ذلك يتوقف على عوامل، لعل من بينها حجم الدخل الفردي، ومستوى المعيشة ومدى رغبة الفرد فى العمل والإنتاج لتعويض الاستقطاع الضريبى من جهة، وطبيعة هيكل النظام الضريبى من جهة أخرى.

ولذلك فعلى صانع السياسة الضريبية أن يراعى إحداث قدر من التوازن بين هدفين أساسيين هما: تشجيع الادخار وتحقيق العدالة الضريبية ولذلك فعند فرض الضريبة على التوزيعات فان قيمه الحصيلة المتوقعة للدولة سوف لا تتماشى مع حجم خسائر الاستثمار التى قد تترتب على تأثيراته.

سابعا: أن تأثير الضريبة على التوزيعات إنما ينطوى فى الحقيقة على الحد من حجم الاستثمارات، كما أن فرض الضريبة يحتم على الدولة زيادة إنفاقها الاستثمارى للحفاظ على استقرار سوق المال المصرى لتعويض النقص فى الاستثمار الخاص.

لذلك فان محدودية العائد من هذه الضريبة للدولة– على الاقل بالنسبة لما سيحصل من الشركات المدرجة بسوق الاوراق المالية المصرية– لا يتماشى مع فقدان هذا الحجم من الاستثمارات المتوقع نتيجة لفرضها.

ثامنا: أن الضريبة على التوزيعات يمكن أن تؤدى إلى خفض الاستثمارات بصورة مباشرة بسبب تخفيضها أرباح المستثمرين وعلى وجه الخصوص بالنسبة للاستثمارات الجديدة التى يتم السعى بكل الطرف خلال الفترة الحالية لاجتذابها وتنميتها.

كذلك يمكن أن تؤدى الضريبة على التوزيعات بصفة عامة إلى تغيير هيكل الاستثمارات، وذلك بسبب ما تؤدى إليه من توسع فى الاستثمارات الأقل خطورة والأكثر أمانا والتى يمكن تصنيفها بسهولة (سحب الاستثمارات من سوق المال وتحويلها لودائع بنكية على سبيل المثال) بحيث يصبح الاقتصاد أكثر حساسية للضغوط التضخمية واقل فاعلية استثماريا واقل قدرة تمويليا.

تاسعا: أن التطور فى معنى آثار الضرائب إلى جانب التغير الذى حل بمفهوم مالية الدولة والسياسة المالية انعكس بدوره على دور الضريبة بنقلها من الحياد إلى التدخل بقصد إحداث تغييرات عميقة فى النظام الضريبى تضمن فاعليته فى تحقيق سياسة الدولة الاقتصادية والاجتماعية بأقل عبء ضريبى ممكن بحيث تحقق أكبر إشباع جماعى مستطاع بأقل تضحية جماعية ممكنة. وهذا ما يجسد اندماج نظرية العبء الضريبى فى نظرية الرفاهية الاقتصادية والاجتماعية.. وهو ما لا يتماشى مع القاعدة العريضة من صغار المستثمرين الموجودين فى سوق المال المصرى والذين يعتمدون كدخول شبة ثابتة على توزيعات الارباح من جانب الشركات بما لا يعطى مرونة لضغوط فرض هذه الضريبه عليهم.

عاشرا: أن جانبا رئيسيا من المستثمرين المؤسسين فى سوق المال المصرى هم جهات تابعة للدولة على سبيل المثال ( البنوك العامة/ صناديق التأمينات الاجتماعية/ هيئة البريد/ الشركات القابضة/ الهيئات العامة) وهو ما يعنى اتساع مساحة التأثير بصورة واضحة على موازنة الدولة من جانب اخر غير منظور من خلال انخفاض فى عوائد استثمارات الدولة بالبورصة.

حادى عشر: ستؤدى الضريبة على التوزيعات– اسوة بتجارب دول اخرى– إلي تقلص فى حجم التوزيعات من جانب الشركات واضعاف للجاذبية الاستثمارية للشركات التى تقوم باجراء توزيعات ارباح وهو اتجاة سيحد من مورد هام لضخ السيولة داخل السوق خلال الفترة القادمة وسيؤدى إلي نماذج من التحايل على القانون وبالتالى تعرض البورصة لمخاطر النمو فى الاستثمار المضاربى العشوائى.

خلاصة الامر ان السياسات المالية اذا لم تتعامل بحرص مع قطاعات الاستثمار فانها قد تسبب فى انكماش اقتصادى لهذا فان المبدأ الاساسى الذى نرى ضرورة الالتزام به هو عدم خضوع التعاملات فى البورصة للرسوم اسوة بما هو متبع فى جميع الاسواق الناشئة المنافسة لمصر فى اجتذاب المستثمرين ومن هذا المنطلق فان الضرائب على التوزيعات ستؤدى لفقد البورصة المصرية جاذبيتها الاستثمارية كما انه يشوبها العديد من المشكلات التطبيقية وشبهة الازدواج الضريبى بما لا يسمح بتطبيق اى مقترح يخص مثل هذا الاتجاه فى ضوء الاوضاع الحالية.

مقالات محسن عادل

المزيد

أراء

إستطلاع رأي

هل تري ان مشروع قانون "ساحات الانتظار" المقدم من البرلمان سيقضي علي الفوضي في الشارع؟

النشرة البريدية

إدخل بريدك الإلكترونى لتصلك أخر الأخبار الإقتصادية المصرية و العربية